رجائى عطية

من تراب الطريق (740)

شارك الخبر مع أصدقائك

قبل نحو عشرين عامًا، اخترت الصحابى الجليل أبا ذر الغفارى، لأضع كتابًا عن سيرته، وصفته آنذاك بأنه رسالة حب لصحابى عظيم ملأتنى سيرته ومواقفه، وصدقه وزهده ومناقبه، إعجابًا به وحبًّا له.

رأيت عبقرية هذا الثائر الفارس تتجلى فى ثلاثة محاور رئيسية، عبقرية «الصدق» فى النية والتوجه والعمل والفعل والسلوك، وعبقرية «العدالة الاجتماعية» بالالتفات إلى مخاطر جموح واكتناز الثروات، هذه الثروات التى تضخمت فى زماننا تضخمًا غابت فيه الوظيفة الاجتماعية للمال، وعبقرية «المعارضة الصادقة» التى لا تخلط بين الرأى والمعارضة، وبين التآمر والعصيان، وتسعى للبناء، لا للهدم والتقويض.

ليست مبالغة وصف هذا الصحابى الجليل بالفارس الثائر، لأنه ثار من أربعة عشر قرنًا بقيم ومبادئ الفروسية، وأدرك بحسه وصدقه ـ قبل الدساتير ـ أن ثورته تسعى للتقويم والإصلاح، لا للهدم والتقويض والتخذيل.. فعارض ما شاءت له المعارضة، وألقى بحجته، ولم يتورع أو يخاف من مواجهة الحاكم وذوى الطول بما يراه وينتقدهم فيه، فكان الصادح على الدوام بالحق، ولا غرو فقد سبقت فى تقدير صدقه بشارة النبى ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذى قال فيه : «ما أقلت الغبراء، ولا أظلت الخضراء، أصدق لهجة من أبى ذر».. بيد أنه على كثرة وشدة معارضته وصدوعه بالحق، لم يتحرك لشغب، ولا سعى لهدم أو فتنة أو تخذيل، ولا شجع على فوضى، بل والتزم حدود الشرعية واحترم أمير المؤمنين عثمان، رغم انتقاده سياسته، وأكد له أنه ليس من دعاة الفتنة، وأن صدوحه بالحق الذى لن ينى عن الصدوح به، لن يدفعه لفتنة أو لشغب، ويقول لمن يحاولون تحريضه على أمير المؤمنين : «لا تعرضوا علىّ ذلك.. والله لو أمرنى أمير المؤمنين أن أحبو لحبوت، ولو أمرنى أن أمشى على رأسى لمشيت، ولو صلبنى على أطول خشبة، لسمعت وصبرت، ورأيت أن ذلك خيرٌ لى».

اقرأ أيضا  العرب يواجهون تحدياً مصيرياً فى الحرب الباردة «القيمية»

لم يكن هذا الالتزام باحترام شرعية الإمام، خوفًا ولا تقية، فقد تعددت معارضاته لمعاوية الأمير الحاكم على الشام، وشن حملة على كنز الأموال، وانحاز للفقراء والبسطاء والمساكين، وتفطن خارج عصره إلى «الوظيفة الاجتماعية» للمال، ولما بلغه أن معاوية يقول إن المال مال الله، واجهه سائلاً : «يا معاوية.. أأنت تقول المال مال الله ؟!»، فلما أجاب معاوية بالإيجاب، عاوده فى حجة بالغة متفطنة : «فما يدعوك أن تسمى مال المسلمين مال الله ؟!» ولم تنطل عليه قالة معاوية : «ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره ؟!»، رد عليه بحسم واعٍ متفطن لوظيفة المال، وقال له : «فلا تقله.. أتريد أن تحتجنه دون الناس ؟!».. عبر أبو ذر ـ الفارس الثائر ـ بفطرته عن أن الحاكم محض نائب عن الناس فى إدارة المال، تحت حساب ومراجعة الناس !

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1230)

ولم يجزع هذا الفارس الثائر حين حمله معاوية من الشام إلى المدينة، حملاً خشنًا خلافًا لأمر عثمان بالترفق به، وصارح أمير المؤمنين بالمدينة بما يراه، وأنه عتب على معاوية ما يريد به أن يحتجن المال عن الناس، وإسرافه فى بناء قصر الخضراء، وأنه يرى اتساع الثروات وكنز الناس فبشرهم بمكاوٍ من نار كما يقول القرآن الحكيم، ودعا إلى أن يواسى الأغنياء الفقراء.

ومع توقيره لأمير المؤمنين، لم يتهيب أن يقول فى معيته ما اعتاد أن يبديه من نقد مستمد من كتاب الله وسنة رسوله، فقد علمه ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يقول الحق وإن كان مرًّا، وأن لا يخاف فى الله لومة لائم، فيقول لعثمان وهو يبدى له حقه من الاحترام كأمير للمؤمنين : «أما ترى يا أمير المؤمنين ؟! لقد بلغت الأبنية سَلْعًا (مرتفع بالمدينة).. وبلغ ولد أبى العاص ثلاثين رجلاً.. يتخذون عباد الله خَوَلاً وخدمًا !»، ولم يقبل عذر أمير المؤمنين أنه ليس عليه أن يجبر الناس على الزهد، فلما سأله أن يكفَّ عما هو فيه، أجاب فى عبارة مقتضبة بالغة : «حتى يواسى الأغنياء الفقراء !»

اقرأ أيضا  منهجية ازدراء أديان الوعى المصرى!

لعل المشهد الأخير فى حياة أبى ذر الغفارى، أبلغ المشاهد دلالة على الفروسية التى عنيتها فى فكرة هذا الحديث، وهى التزام الثائر الحق بالموضوعية والسعى للبناء لا للهدم والتقويض.

لقد نُفِىَ أبو ذر الغفارى إلى صحراء الربذة، وبرغم إحساسه بأنه مظلوم، صدع وأطاع، وذهب ليعيش فى هذه الصحراء الموحشة ليس معه سوى زوجته، متفرغًا لصلاته ونسكه وعبادته.. فى زاوية متواضعة أقامها للصلاة، يأوى فى نهاية يومه إلى «خباء» متواضع أقامه من الوبر والصوف ليقيه وهج الشمس وغوائل الصحراء.. يراه الحجيج والمعتمرون فى ذهابهم من المدينة وإيابهم إليها، للحج أو العمرة، يرونه ملتحفًا بأسماله، راضيًا بغربته، يحادثهم ويحادثونه، وينصح لهم ويعظهم، ثم يأبى أن يستجيب إلى ما يطلبه البعض منه أن يعود إلى المدينة المنورة، فضرب مثلاً فى سنوات العزلة على فروسية قدرت وحرصت على الابتعاد عن كل ما يمكن أن يثير فتنة، ولم يتحرك لكيد ولا لشغب، ولا لمذمّة ولا لوقيعة، حتى لاقى ربه فى هذه الصحراء الموحشة، راضيًا مرضيًّا، لتصدق فيه بشارة النبى ـ عليه الصلاة والسلام : «يرحم الله أبا ذر.. يمشى وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده».

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »