رجائى عطية

من تراب الطريق (737)

شارك الخبر مع أصدقائك

السرور الوقتى بطبعه فرار قصير الأجل، لا يوجد له مكان فى حسابات الآدميين.. ومن قديم وللآن يجرى يوميا خلط الأمور كلها فى حياة جميع البشر من السادة والعامة.. لا يلفت الأنظار لهذا الخلل الدائم إلا أقل القليلين من الآدميين الذين لا يهتم بهم غيرهم!!

ولم تنهض البشرية إلى اليوم نهوضًا حقيقيًّا جادًّا ممتدًّا ثابتًا يضم الغنى وغير الغنى والعارف وغير العارف والقائد والمقود والمجتهد المجد والمعاون له على مقدار ما عنده ومعه.. ولم تنهض البشرية قط حتى اليوم إلى ذلك الاتحاد والتعاون والاشتراك من كل قادر أيا كان وبين كل معاون مشارك على مقدار ما فى إمكانه واستطاعته!!

لم تزل حياة البشر رغم قدمها من آلاف السنين لم تزل حتى اليوم غير مستقرة على شىء فينا ثابت التقدم فى النمو.. مما أدى إلى مصير انتهى بالآدميين الحاليين إلى قلة أو تواضع نصيبهم من العقل التام الخالى من سيطرة العواطف السائدة فى كل وقت على الآدمى فى اتجاهه نحو أغراضه وميوله بأشكالها وأمانيها!

وفى العشرينيات من القرن الماضى تفجر تصدع الوحدة الأوروبية التى كانت قد انقسمت شطرين فى الحرب العالمية الأولى (1914 1918).. فانفصل ما سمى نفسه الاتحاد السوفيتى عن أوروبا الغربية وأمريكا بدولهما، وسايرته فى اتجاهه العام الصين وجنوبها.. كما استسلم له كل من بولندا وجنوب شرق أوروبا وأجزاء من وسط أمريكا.. وفى الحرب العالمية الثانية ( 1939 1945 ) صادقت ألمانيا الاتحاد السوفيتى إلى أن تم لها فى عام 1941 غزو أوروبا غربا وشرقا عدا انجلترا.. ثم انقلبت فغزت الاتحاد السوفيتى إلى مشارف موسكو.. وهذان الجمعان المتقاتلان كانا حالمين طامعين مغرورين.. وبعد الانتصار على الألمان واليابان، انقسم علنا سخف الفريق المنتصر.. إذ انفصل فريق أمريكا والغرب الأوروبى عن فريق الاتحاد السوفيتى والصين أو العكس.. ثم انفصلت الصين عن الاتحاد الروسى أخيرا بعد أن خرج من كرواتيا وشمال البحر الأسود وشرقه، وهذان كانا جزءا لا يتجزأ من الاتحاد السوفيتـى أيضا، والآن لم يعد يوجد ما كان من أثر للاتحاد السوفيتى الذى كان صورة ضخمة هائلة إلى نهاية الثمانينيات.. بعد أن أخذ كيانه فى التآكل منذ وفاة ستالين ! ثم تفكك منذ عهد جورباتشوف!
والآن لم يبق ذلك الغرب قاطبة كما كان.. خاصة فى هذه السنين الأخيرة.. إذ تدهورت قواه بشدة حتى فى أكبر وأغنى دوله.. وبات من أصعب الصعب العثور فيه على رؤوس سليمة لقيادته المجهدة وحمل أعبائها التى لا أول لها ولا آخر فى الزمن الحالى..هذا الزمن الذى يتخبط عامته وخاصته علنا ويوميا فيما لا حصر له من الخلافات والاعتراضات والمتاعب والأزمات وما يقرب من النكبات.
زماننا الحالى قد ضاق جدا على سعته فى كل مكان.. إذ لم يسبق له أى مثيل فى العدد والتخليط والسطحية وادعاء اليقظة الكاذبة والمعرفة الضالة المضللة التى تؤذى حتما من يمثلونها كما تؤذى أصحابها أنفسهم أو ذويهم.. وينبغى ألاَّ ينسى العاقل سليم النظر والحكم، حماقة الحربين العالميتين الهائلتين اللتين شبّتا دون موجب يقبله العقل.. ولا أن ينسى ما جرى فى كل منهما، من بلايين القتلى وملايين العاجزين والمعوقين فضلاً عن بلايين الأموال التى ضاعت على كل الأطراف، ولم يكن لذلك مبرر إلاَّ كبرياء القوة وعظمة الاقتدار والثقة الهائلة فى الكفاية والنصر.. وقد أدى ذلك الكبرياء السخيف الأعرج الناقص الفكر والعقل إلى إيجاد أعقاب وأجيال هنا وهناك.. حمقاء يقودها حمقها الشديد إلى الأنانية العمياء المصحوبة بالهم والنكد، وظل الجميع حتى الأغنياء فى خوف دائم حتى الموت !.. وقد تكررت هذه الأجيال مرات، ومنها أجيال زمننا هذا وما يتلوه.. وكلها تبدأ أولا وأخيرا من الأنا لا تفارقها قط.. لا فرق فى هذه الأنانية بين العالم المجتهد والمتعلم الدارس والعامل البسيط والجاهل الماحى ، إلاَّ أقل قليل القليل من العقلاء!!

هذه صدمات بالغة الشدة والعنف امتدت موجاتها العاتية إلى يومنا هذا فى كل مكان من دنيانا.. إذ تلتقطها أجيال لم تقدر على فهمها وردها والابتعاد عنها والتخلص منها نهائيا.. وقد خلقت أجيالنا ويلاتنا بتصوراتها السطحية الوقتية، وساد بيننا الآن الانقسام العام التام والغضب والخصومة والعداوة فى كل الجماعات كبيرها ومتوسطها وصغيرها، ولم تعد أية دولة قادرة حقا وفعلا على الالتفات للتماسك وجمع الشمل والتمكن من بقاء الوحدة أو الأمة مصونة قوية لا تخاف ولا تخيف.. إذ القوة ليست قوة السطوة أو الحكم أو المال أو اليد، وإنما هى قوة الجماعة العاقلة الواثقة بحقها المشهود به من كل من أفرادها كبيرهم وصغيرهم، بغض الأنظار عمن حَكَم أو اغتنى أو اتبع أو قل ما عنده أو معه.. فلن تعوزه حاجة إذ الاحتياج لا يوجد إلاَّ فى جماعات يحكمها المغترون!!

ويبدو أن الجماعات البشرية قبل الألف الرابع والخامس من الميلاد كانت مجاميع صغيرة دائمة الانتقال يسيرة التفرق والانتشار، لم تعرف بعد معنى وقيمة الاستقرار والتوطن والقومية إلا فى توالى الأسر والقرابات والعائلات فى ذات المقر والمكان المنبسط.. وهذه ظهرت بها بدايات الاستقرارات ومعها زعامات بما تبديه هذه أو تلك من القدرة التى ينفرد ويسود بها كل زعيم على جماعته.. ومعها الجسارة والجرأة وعدم المبالاة، فيفرض تسلطه وسطوته على من خضعوا له واستسلموا، وقد يواليها من معه أو من جاءوا بعده.. وسرعان ما تجلت الملوك والأسر المالكة وانحاز إليها بولايته الدينية الكاهن الأكبر وكهنته، واستمر ذلك فى مصر إلى القرن الثامن قبل الميلاد، فغزاها الآشوريون والبابليون والفرس والإغريق والرومان والعرب والعجم والموالى والعثمانيون والألبانيون والإنجليز.. ولم تنجح مصر بعد ذلك إلا فى تخليصها لثلاثة أرباعها فى عام 1973، ثم ما خلصته بعد ذلك باتفاقيات لازالت تعانى تبعاتها حتى اليوم!
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »