رجائى عطية

من تراب الطريق (735)

شارك الخبر مع أصدقائك

عرف البشر خلال القرون الثلاثة الأخيرة أشياء بالنسبة لهم غير قليلة عن الكون والوجود.. فاقت ما كانوا يعرفونه من قبل عن دنياهم.. وهى معرفة كانت ومازالت تدريجية إلى يومنا هذا.. تطورت تطورا بشريا غير ضئيل عن الكون، لكنها لم تتجاوز حتى الآن امتداد نظر الآدميين من أرضهم الممسكين بها فى نهاية كل منهم.. لأنهم يولدون ويدفنون فيها إلى اليوم والغد.. ويستحيل أن تعرف هذه الأرض إلا بلغاتها المختلفة واصطلاحاتها الكثيرة التداخل والتمازج والانتقال والتعديل والتبديل.. فى الكلام والإشارات والكتابة والرموز والأصوات والصور والحركات والآلات والأوقات والأبعاد والأرصاد والمحفوظات والأنعام والألوان مما يشغل ويشتغل به هنا وهناك أى آدمى حى !

وإلى يومنا هذا لم ينتظم مسلك أى آدمى انتظاما صحيحا مطردا ملتزما .. لابد أن يخطو الآدمى كثيرًا وكثيرًا جدًا وأحيانا معظم حياته إلى أن يفارقها، وذلك قبل أن يحسن التفكير ويلتزم صفاء العقل وعدم إذلاله واستعباده بالاستسلام للعواطف والرغاب والشهوات التى تركب أنا الآدمى فى غالب أوقاته وحالاته.. هذه الرغبة الجامحة التى تتفوق باستمرار على قدرة عقله بقوة العاطفة والشهوة.. وهذا مازال جاريا الآن كما كان جاريا فى قديم الزمان، بفضل هاتين القوتين الدائبتين المنحدرتين دائما إلى الهوى المحض والطمع الأنانى !

ولكن كيف يتخلص البشر من هواهم وأطماعهم لإحلال العقل والإنسانية محلهما ؟! لم تتغير حماقات الآدميين إلا تغييرًا قليلا استمر زمنا ثم اختفى وحل محله الملوك والسلاطين والأمراء والحكام والإدارات ومعها الخلافات والعداوات والخصومات والنكبات والانهيارات.. وتبادلت هذه البلايا بعضها مع بعض فى الزمان والمكان حتى يومنا.. هذا الحاضر الذى زاد عليه الآن القنوط واليأس.. إلاَّ لدى أقل القليلين الذين يرجون نجاة البشرية أملا فى التفاتها الجاد يوما ما إلى سعة الكون الهائل بقواه الهائلة جدا ومواده ومجراته وأحجامها ونجومها وكواكبها وأقمارها وتوابعها.. هذه الأجرام التى نعبر منها نحن الآدميين بهذه الأسماء على قدر ما عرفناه منها حتى الآن مما قد يصدق أو لا يصدق والله تعالى أعلم.. لم نفكر بعد فى كيف يكون انتشار البشر فى الفضاء بعيدا عن الأرض فى الكون العظيم، بعد أن عشنا بحساب البشر آلاف السنين على نفس الأرض حتى الآن !!!.. فينا بلا شك بشر شجعان جادون مجازفون مغامرون عودوا غيرهم ممن هم أقل جرأة على تكرار تلك المجازفات التى صارت الآن عادات وآليات فى حدود المختصين الذين تعددوا دون أن يهزوا أغلبية البشر الذين مازالوا كما كانوا يعيشون ويموتون لا يفارقون هذه الأرض !

فهل يأتى يوم قريب يدفع أغلبية البشر دون تكلف إلى الفضاء والكون والواسع.. ليبذلوا فيه جدًا وعملاً وإصرارًا واعتزازًا أكثر مما يجرى على الأرض التى لا يفارقونـها بتاتا ؟.. وهل تتحول الأرض من ماضيها وحاضرها الآن إلى معامل ومصانع ومزارع ومراع للقيام بخطى وأصداء تعاملها الدائم بين الأرض وبين الفضاء والكون ؟.. وهل ينحل كل ما معنا الآن من دول وأمم وشعوب وطوائف وحكومات وفئات وجماعات ومراكز وبنوك وشركات وجمعيات ومدن وقرى وموانئ ومطارات وملاهٍ وملاعب إلى أنظمة جديدة كاملة الجدة فسيحة واسعة عميقة كونيًا لا أرضيا كحال آدميتنا المحدودة المحصورة جمودا فى الماضى القريب والبعيد. هذا

إن تحقق وجود ذلك النظام الثابت المشترك الدائم النماء والاتساع والتواصل والتكامل دون انقطاع !

إذا تحقق هذا النظام غير المسبوق، فسوف يتغير تماما كل ما عندنا اليوم من مادى ومعنوى ويتغير نوع الآدمى تغييرا عاما شاملا عن حالنا الآن وعن حال ماضينا البعيد والقريب.. سوف يتغير كل ذلك إلى كيان جديد للآدمى كل الجدة.. لا ينفصل قط عن معرفته المطردة المستمرة بالكون أخذا وعطاء وانتفاعا دائما واشتراكا فى البعض والكل والقليل والكثير والصالح والأصلح.. بعيدا تمام البعد عما معنا الآن من أنانية رخيصة بأهوائها وقسوتها وطمعها وجبنها وذلها وابتذالها ووجودها التعس الذى لا يبالى بخزيه ولا ينفر من انحطاطه وسقوطه البشع المزرى. وربما أرادت حكمة الخالق عز وجل أن تنقلنا من كياننا الناقص الغريب المتقلب بين التقدم والانتكاس إلى صحوة الامتزاج الدائم من دنيانا بالكون العظيم.. اتصالا واعيا مطردًا بالكون الهائل بأبراجه وشموسه وكواكبه وأقماره وتوابعها وفضائها الذى تسرى فيه القوى وتتحرك خلاله الكائنات كبيرها وصغيرها.. هذه الكائنات التى لا تعد ولا تحصى فيما لا يمكن أن يحصيه البشر غافلين أو عاقلين منتبهين واعين.. صادقين دائما لا يكذبون.. هذا الكذب الحاصل حتى الآن وما كان حاصلا طوال عهود أطوار البشر فى ماضيهم.. هذه الأطوار الكثيرة الاختلاط والاضطراب حتى يومنا هذا مع الاستمرار فى محاولات جمع وإكثار واكتناز الأموال وإحراز المناصب وارتفاع المراتب وامتياز المقامات والمواقع مما لا يتحقق أكثره ومما ينتهى ملك صاحبه حتما بالموت بغير عودة دنيوية !

وإلى اليوم يبالغ البشر فى أصواتهم التى لا يبالى بها فيما يبدو سواهم.. هذه الأصوات التى تلازم حركاتهم غالبا وتدعو إلى ارتفاع الأصوات لداع وغير داع، كما تجتذب مطربيهم وأشباههم معهم إلى تحسينها أحيانا كلاما وأحيانا أخرى ألحانا.. كما تدفع خوفهم وهياجهم وسخطهم وضجيجهم وثورتهم إلى آفاق متتابعة من العلو والصخب والغليان والهياج غير المفهوم مما لا يلتفت إليه حيوان أو نبات ولا يبالى به على الإطلاق فضاء أو كون.. فهذا فى البشر خاصة أو ما يشبهها لديهم !.. ولا يعرف الآدميون إن كان فى جزء من الكون خلاف الأرض، شىء كهذا يمكن للبشر فى زمن قادم الانتفاع به فى الكلام والفهم والاستفهام عن طريق الصوت كما ساد لدى الآدميين على الكوكب الأرضى !

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »