رجائى عطية

من تراب الطريق (732)

شارك الخبر مع أصدقائك

من منا يفكر فى ماهية الوطنية والعدالة الاجتماعية، أو فى تحديد معنى حقوق الإنسان أو الحرية الشخصية أو حق الجمهور فى المعرفة بالشئون العامة، أو حقه فى التعليم، أو الحق فى الحصول على مستوى كاف ولائق لحرياته، أو فى مدلول الحق فى المساواة وفى الديمقراطية، أو مدلول الاشتراكية أو مشروعية الملكية الفردية، أو كفالة حرية التنقل، وحرية التعبير عن الرأى، أو فى حرية التجارة وحرية الهجرة، أو فى حرية الاعتقاد واختيار وممارسة شعائر وطقوس الملة أو المذهب أو الدين إلى غير ذلك مما يعتبره الناس من القيم الأساسية فى حياة الأفراد والشعوب.

كل هذه إيمانيات نعيش بها وعليها.. لا يعلل إيماننا بها وانتماؤنا إليها واعتمادنا عليها وامتثالنا لها، لا يعلل ما يحيط بها من غموض وإبهام وعدم تحديد. هذه الغوامض أو المبهمات أو التجريدات التى تفسح المجال للخلط وما نسميه إساءة الفهم والتأويل وحدة الاختلاف والتعصب والخصومات والفتن والحروب وما وراءها من أغراض ومقاصد معظمها عند التأمل ـ إيمان اعتقادى.. دور العقل والتعقل فيه محدود محصور فى كيفية التنفيذ إن سمح لهما به!

فالصلات البشرية خاصة وعامة، القائمة على القيم البشرية، ذات أساس إيمانى مستحكم معرض فى كل وقت، لذلك الخلط وإساءة الفهم والتأويل والاختلاف والتعصب، ومصير تلك الصلات دائما فى كف الاحتمالات وتحت تصرف المقادير التى يتجاهلها الناس عادة، ويفاجأون منها بما لا يتوقعون!

هذه ظاهرة مشتركة متفقة مع أصول حياة الأحياء جميعا، هذه الحياة التى يدخلها البشر وغير البشر تسللا ويخرجون منها قسرا بلا مشيئة ولا مدخل لعقولهم وتعقلهم فى ذلك الدخول أو الخروج، وهما ـ الدخول والخروج ـ طرف كل حياة على هذه الأرض !

ويبدو أن ظهور عقل الآدمى ـ أى آدمى ـ يحتاج إلى خارج وإلى تعامل مع هذا الخارج، وبقدر اتساع هذا التعامل يتسع بنموه نمو المخ ونمو العقل.. هذا النمو يحصل فى وصاية الغرائز والعواطف والذاكرة، وربما فى وصاية نمو ذات الآدمى بصفة خاصة !

هذا هو الذى يفسر خضوع عقولنا لذواتنا، ومطالبها وغرائزها وعواطفها ومتوارثاتها، ويتوقف تقدم العقل وتطوره على تحرك هذه الوصايات الفطرية ـ هى الأخرى ـ فى طريق التطوير والترقى برغم ما تحمله من ماضيها الطويل وضعف قدرتها على التفطن والتبصر وحاجتها الدائمة إلى ما يعينها على هذا الضعف..

هذا فى الفرد الواحد، مع ما فيه من قدرات ومواهب وصفات وإمكانيات، وهو ما ينسحب مع اختلاف الفارق على المجاميع من الناس. قد تتم فى وقت قصير كما فى التجمهر والاحتشاد، وقد تحتاج لزمن وصبر وموالاة فى الإقناع أو التلقين الذى لا يثمر ثمرته فى كل فرد، فظروف الأفراد لا تتماثل بل ولا تتشابه، بينما من لوازم هذه العمليات ـ فوق كونها معقدة ـ أنها تجرى بلا اتفاق بين أفراد المجموعة البشرية التى قد تنجح أو لا تنجح على قدر نمو عقلها الجمعى فى أن تتناغم على نحو ما فيما تفرزه قدرات أفرادها!

● ● ●

ما نسميه مثابرة وإصرارا، هو مزيج من الصبر والموالاة والتفاؤل.. هذا المزيج مختلف النسب والمقادير باختلاف المواضيع وتكوين وظروف كل فرد، واختلاف تكوين وتركيب المجاميع حيال العصور والأجناس.. لذا يجب أن نتوقع ظهور الاختلاف فى أى محاولة للجمع على أمر عام أو خاص، مما يستلزم المثابرة والإصرار وحساب الحسابات مع الاستعداد لمواجهة تباين الميول والطبائع والمصدقات والأفكار.. فهذه وتلك بحاجة إلى رحابة صدر وسعة أفق وأمل.. داخلة فى عناصر ذلك المزيج لا تفارقه قط.. قلتها ونقصها يؤذيان أو يعوقان نجاح هذا المزيج، وقد يبطلان مفعوله!

ومع أن الإسراع والعجلة مع الحرص، قد يؤديان إلى تحقيق المراد فى أقصر وقت، إلاَّ أن ذلك قد يكون مصحوبا بالشك فى الأغلب الأعم. لأن الإسراع والعجلة يصحبهما دائما لهفة.. هذه اللهفة تبرر فى نظر عـين الملهوف، إغفال أو نسيان أو عدم المبالاة بأمور لا يترخص فيها أو يغفلها العقلاء !

يزيد فى اندفاعنا الشعور العرضى بامتلاك الفورة أو القدرة، وتصور أو توهم أن المغامرة مأمونة العاقبة، وأكثر ما يحدث ذلك للذين ارتفعوا سريعا على غير توقع إلى قمة النفوذ والسلطان، فأفقدتهم سكرة النجاح حسن التبصر والتفطن والتقدير !

الارتفاع السريع، غالبًا ما يسكر ويخدر ويميل بصاحبه إلى المبالغة والثقة غير الواعية بصحة حساباته وتوقعاته، وقد يدفع به إلى فرض نظره وتوقعه على من حوله.. فيدفعون فى النهاية ثمنه ويتحملون ضلال نتائجه لقاء ما ملأ به عقولهم وأحلامهم الساذجة من الوعود الكاذبة والأمانى الباهرة الهائلة التى تئول فى النهاية إلى سراب ويصيبها الإخفاق والفشل وتعريض الموجود للضياع !

على أن أول من تخدعه اللهفة هو صاحبها الذى تحركه وتدفعه وتحمله على تجاوز الحدود المألوفة للاعتدال. إذ يواكبها لحظة مولدها ـ أعنى اللهفة عند صاحبها ـ تصوره الملح الذى لا يهدأ أن جهوده التى بذلها ويبذلها فى حياته المحدودة المحمومة سيكون لها حتما نتائج دائما تعرفها وتعترف بها الأجيال المتعاقبة، مصحوبة باسمه ورسمه وسعيه الفريد المتميز فى نظر نفسه !!

والغريب أن هذا النوع من اللهفة والمتلهفين لم يكن نادرا فى القرنين الأخيرين رغم نتشار الدمار الذى انتهى إليهما.. ولم تحل هذه الدروس الفاجعة دون التكرار والتكرار بمزيد من الخيبة والخسران. فلا تزال الظروف مفتوحة رغم كل شىء ـ لظهور المغامرين المقامرين الذين يتخذون طريقهم بسرعة إلى قمة السلطان !!

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »