رجائى عطية

من تراب الطريق (728)

شارك الخبر مع أصدقائك

ما من كائن من جميع الأحياء، إلاَّ وصار ماضيًا بعد انسلاخه من الحاضر الذى عاشه، ويتعرض بعد صيرورته ماضيًا للتذكر أو النسيان!

ولكن الماضى أبدًا لا يعود!

ومن ينادون الآن باستحضار الماضى بعد انسلاخه من الحاضر، إنما يحرثون فى البحر، ويعارضون عبثًا سنن الحياة التى سارت وتسير عليها من أول الخلق.

ذات هذا السراب هو الذى تتكئ إليه الآن ــ أطماع من شرعوا السلاح وأعملوا فى العالم تقتيلاً وتخريبًا بتوجيه وتخطيط وأوامر وتعليمات أمرائهم ورؤسائهم، استنادًا إلى تخريجات ملبوسة من بعض الكتب القديمة، المعزوة إلى أسماء مات أصحابها من مئات من السنين، تغيرت خلالها الدنيا مرات ومرات، واختلفت مع توالى القرون عقول وأفهام وأذواق واختيارات وتوقعات وآمال أهل الزمان الذى نعيشه الآن.

وساهم فى وحشة هذا البلاء، ابتعاد كثيرين عن الدين، ابتعادًا فقدوا به دون أن يشعر والإحساس بعمق الإيمان، وبحاجة الإنسان إلى الاحتماء معظم أوقاته بهذا الإيمان.

وفقدوا بالتبعية قيمة الالتزام بالحق والعدل اللذين يحميهما الصدق والوفاء، وهما أساس كل معاملة أخلاقية سليمة وصحيحة.

ويبدو أن الشىء الجوهرى الذى تغير تغيرًا جوهريًا فى دنيانا هو الآدمى نفسه، أى خصالـه التى صانت عاداته السليمة فى التعامل وأخلاقه التى حفظت تلك العادات.. فهذه وتلك قد بهتت وضوت، ولم يعد الآن فى الأعم الأغلب من يقدر اعتزازه حقاً وفعلاً بقيمة داخله حيث كان يوجد ضميره وذمته.. فى الماضى كان الاستناد إلى الضمير والذمة عادة أخلاقية فضلاً عن كونه قيمة دينيـة تجعـل للآدمى كبرياءً لا يبـالى معـه بفقره الذى بتنا نبالى به الآن !.. ذلك البلاء الذى مازال يلاحقنا ويحاول كل منا الهرب منه بأية وسيلة ممكنة مشروعة أو غير مشروعة، لأننا لم نعد بتاتًا إلى ما كنا وكان عليه من سبقونا.. بخلاف الأسقاط والأوباش والأراذل واللصوص!

ولأن الآدميين لم يجربوا فى الغالب الأغلب حتى الآن ـ تبنى العقل والاسترشاد به ـ بدلاً من إخضاعه واستخدامه بلا مبالاة فى الأغراض الخاصة والشهوات والأنانيات، فإنهم لم ينتفعوا بعقولهم فيما ينفعهم حقًا وصدقًا وذمة وأمانة إلاَّ نادرًا، وغالبا ما تستخدم عقولنا وتحركها هنا وهناك اتجاهاتنا التى نختارها ونتصيدها.. يرد ذلك على معظمنا امتثالاً «للأنا» منذ مولده، هذا الامتثال «للأنا» الذى تخف وطأته واستبداده مع تقدم العمر، إلاَّ أنه مع تقدمه أكثر إلى الشيخوخة، تعود سيطرة «الأنا ».. لا ينجو من تحكمها إلاَّ القليل الذين ساقهم اطراد استعمال العقل إلى الالتزام به وعدم مفارقته أو مخالفة ما يهدى إليه !

إن البشر قد اقتدروا الآن على التجوال المطرد المنتظم فى الفــضاء الخارجى البعيد جدًّا عن الأرض.. سبحانه عز من قائل الذى يقول فى كتابه العزيز « سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» ( فصلت 53 ).. قد صرنا نرى الآن تواصل محاولات علماء الجماعات المتقدمة لدراسة الكون وفضائه الذى لا أول ولا آخر له، والتعرف على ما فيه من هائل الهائل الذى ليس له نهاية.. هذا الاقتدار البشرى الحاصل الثابت الخالى من أى مبالغة ـ هل تراه يفتح أمام البشرية أبوابًا ونوافذ وطرقًا وأساليب تحول مع الوقت هذا الاتصال العلمى إلى واقع عملى يعاش ؟ وهل يأتى اليوم الذى يستطيع فيه البشر كل البشر استقبال ومبادلة ومعاملة معظم ما فى وسعنا ممـا كشفناه وعرفناه وتعلمناه من خيرات الكون العظيم ؟.. فلم تعد أرضنا كما اعتدنا أن تكون حدًا لا يتعداه الآدمى كائنًا ما كان ؟! ثم هل يعيش الجنس البشرى إلى أن يدرك ذلك المستقبل الخالى من الأغلال والفواجع ويتخلص مما أنهكه اليوم من المجاعات والصراعات والاضطرابات والثورات والمعارك والحروب التى تطحن الأرض وتبيد الإنسان ؟!
rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »