رجائى عطية

من تراب الطريق (725)

شارك الخبر مع أصدقائك

من المفارقات اللافتة، أن الكثرة تحرص على الالتزام بعادات وبأمور معينة، وتتقيد بأشكالها وتسايرها، وربما دافعت عنها بحماسة إلى حد الإستماتة، بينما عقولها لا تكف فيما بينها وبين نفسها عن التشكك فى صحتها، أو عن التسليم بأنها بصورها الفعلية الحالية بدائية وغير لائقة ومتخلفة عن العصر.

والأغرب أن غير قليل من المتعلمين، يرتدون إلى الوقوف مع العوام والجهلاء وضحايا الأوهام والأساطير والخرافات والمشعوذات، ويجارونهم فى العنف بل ويستسلم البعض لقيادتهم، استسلامًا ضريرًا تختفى فيه الفروق التى أقامها الفهم والتعليم والفطنة والخبرة خلال سنوات من الجد والكدح والاهتمام بالترقى والتطور!

لماذا لا يكاد يكف عاقل فطن ـ عن أن يبدى نوعًا من الإقرار الصريح أو الضمنى نحو تلك الأمور وتحاشى الاتهام بعداوتها أو حتى بإهمالها، ويحرص على أن يقابل المتخصصين لخدمتها بقدر من المداراة إن لم يكن من الإجلال كما يفعل السوقة والأغرار ؟!!

ولماذا لا يبخل أصحاب الأموال عندما يتقدم بهم السن، بل والأوساط ـ لا يبخلون بتقديم المساعدات الغنية والمال لتلك العادات الضريرة، ويعترفون بمواسمها ويشاركون فيـها أسـوة بالسابقين ؟!

ولماذا يراعيها أصحاب الحكم وأهل العلم والمعرفة كما يفعل الجمهور فى الاحتفال بطقوس الزواج والميلاد ومناسبات الأعياد وفى الاحتفاء بتشييع الموتى وذكراهم ؟!

ولماذا تُصان المعابد وتقام ويعنى بزينتها وفخامتها وإحيائها بسعتها وضخامتها وترفها وجمالها ؟ ولماذا الالتفات للمقابر والجنائز والتعزية ؟!

ولماذا الكهنة والشيوخ والرؤساء الدينيون ؟ بل لماذا اعتراف الدولة بالطوائف والفرق الدينية والعقائدية بمؤسساتها وبإباحة الانتماء إليها وبتلقين عقائدها لأتباعها والقيام بشعائرها بينهم ؟!

يبدو أن هذه الأسئلة التى لم يخل أى مصر ممن يطرحها على العقل والعقلاء، ليس لها بعد جواب أو أجوبة تامة الصحة أو تامة التخطئة.. لأن موضوعاتها فيها باستمرار جانب غيبى يجتذب وعى الآدمى دائما ومن أول الدهر.. ومضى ذلك إلى أن نمت أشياء فى الآدمى وحوله لا يمكن أن يعرفها معرفة أكيدة بعقله، ولا أن يواجهها ويواجه عواقبها وتأثيرها الذى فى الوسع حسابه.

لعل ذلك لأنه غالبًا لا سبيل له إلى معرفة هذه المصدقات على حقيقتها من طريق العقل والملاحظة فى حدود تجربة الفرد ومعارفه أو محيطه الممتد المتسع فى زمانه بمساحة الغيـب الذى لا يمكننا أن نعرفه حول أو فى حياة كل منا.. مازالت هذه المساحة هائلة ومازال الآدمى كل آدمى ـ يحس فى أعماقه بأنه إذا استجاب لرؤية العقل وحده فى كل ما يراه، يغامر ويجازف ويجاوز حده، فإنه لا غنى له عن نوع من الإيمان بالغيب بالاستسلام لتنفيذ ما يعتقده إرثاً أو تقليداً، وأن فيه إرضاء لذلك الإيمان.. وهو اعتقاد تتآكله مشاغل حياة الآدمى الفردية والعامة وتغطى عليه فى كثير من الأوقات، ولكنها لا تمحوه.. لأن عقل العاقل وغير العاقل حريص حرصًا فطريًّا على ألا يقطع جميع الخيوط التى تربطه بالغيب وبالإيمان، وعلى بقاء بعض الخيوط التى هى موضوع تلك الأسئلة لعله يعطيه قدرا من الإحساس يريحه بالأمان والطمأنينة.

وهذا معناه أن الغيب الذى يعيش الآدمى ويعى من خلاله حدًّا مرنًا ملازمًا من حدود العقل البشرية ـ قابل للضيق والاتساع على مقدار تأخر الإنسان وتقدمه.. أى تأخر ونمو عقله. ولا تعارض فى الأصل بين إدراكنا المبهم للغيب وبين فهمنا الأكثر وضوحا بفضل العقل، وإنما يحصل التعارض من إحلال الغيبيات محل المعقولات بما تصح المعقولات موضوعا له.. وهى الوقائع التى لا يداخلها غيب وإنما يحجب حقيقتها عن العقل ـ الجهل أو الغرور أو الجمود.. وكذلك اللبس أو الخلط أو الاختلاط هو الذى دائما يميز ما بين الكثرة الجاهلة المتحفزة للاتهام والهجوم والإزعاج والانزعاج، وبين صفوة العقلاء من العلماء العارفين ومن المفكرين النابهين التى تعرف للعقل دوره وللغيب مكانته.. كما تعرف أعراض وأمراض الجهالة والجهل!

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »