رجائى عطية

من تراب الطريق (724)

شارك الخبر مع أصدقائك

الكلمة والفعل

يبدو أن الصلة بين الكلمة والفعل، قد باتت تعانى من أسقام عديدة وفصام مزمن، ابتعدت به الشقة كثيراً بين خطاب الكلمة وخطاب الفعل. لم يعد الفصام مقصورًا على تباعد المسافة بين الكلمات والأقوال بعامة، وبين السلوك الفعلى الذى لا يلتزم شيئًا من قيم الدين أو الأخلاق.. ولا على تفشى هذه الظاهرة فى دنيا السياسة التى تفتح لنفسها السبل فى مناقضة الظاهر للباطن، أو ابتعاد العبارات عن المضمون، متذرعة أحيانا بأنها فـن الممكن، وأحيانا بضغط الحاجة والظروف، وأحيانا بمقولة مكيافيللى التى تؤخذ كثيرا على غير معناها «إن الغـاية تبرر الوسيلة» !

ترى كثيرين من المتدينين ـ ظاهرًا !! ـ يتنادون فى خطبهم ومواعظهم وكتاباتهم، بقيم عامرة مضيئة من الدين، فى الطهر والسواء والرفق والسماحة والصدق والأمانة والإيثار، بينما هم بعيدون كل البعد فى حياتهم وسلوكهم ومواقفهم وأفعالهم عن هذه القيم التى يدأبون على التحدث بها وعرضها، دون أن يعنيهم قط العمل بها !

ترى الباطل يستعير الألسنة لينطق بها ولكنه لا يبلغ بها شيئًا، أما الحق فلا حاجة به لاستعارة لسان غيره، فإنه بالحق الذى عليه يبلغ ما يريده.

من آفات انفصال الكلمة عن الفعل والسلوك، أن ترى كثيرين يتنادون بوجوب تداول السلطة، بيد أن آراءهم تصاب بالسكتة وعيونهم بالحول إذا تعلق النداء بالمواقع التى يشغلونها.. فهم يعضون عليها بالنواجذ، ويتمسكون بها حتى الموت، ومع ذلك لا يكفون عن التقعر والتنطع بالعبارات الضخمة والألفاظ الفخمة والمبادئ العظيمة فى التجدد والتجديد وترك وإتاحة الفرصة للتغيير والتبديل.. ولكن شريطة أن يكون ذلك بعيدا عنهم، لأنهم مبعوثو العناية الإلهية، وعجينة متميزة، وعبقرية لا مثيل لها، وقدرة بلا حدود .. سوف تتوقف الدنيا، ويخرب عمـار الحياة، إذا رحلوا عن المواقع التى يشغلونها !

وترى كثيرين يتشدقون بحرية الفكر وحرية الرأى ووجوب احترام قيمة الكلمة وحق النقد، يطرحون ذلك ويلحون به فى المقولات أو المقالات أو الخطب أو المرافعات، ولكن إذا مسهم شىء من ذلك الذى يتنادون به ويستعرضونه، انتفضوا وهبوا ونفرت عروقهم وورمت أصداغهم واتهموا حرية الفكر والرأى بأنها إسفاف، وحق الحساب والنقد للأعمال والتصرفات، بأنه سباب وشتائم !

كيف يتنادى متناد بحرية الرأى والنقد، ويملأ الدنيا تصايحًا بها ودفاعا عنها، بينما يسرع إلى اتهام كل مـن ينتقد أعماله، بالسب أو بالقذف فى حقه.. يقف فى بعض الدعاوى متشدقا مدافعا عن الحرية، ويسارع بآخرين إلى الاتهام والمحاكم بأنهم متطاولون خارجون عن حدود القانون لمجرد أنهم مسوا ذاته المصونة بالاجتراء على نقد أفعاله وأعماله أو الإخبار الصحفى الواجب عنها !

من المؤسف أننا نعيش حياة منبتة الصلة بما نـدعيه ونتقاوله.. أن الباطن غير الظاهر، وأن الانخداع بالظاهر يصرفنا عن الباطن، عن الجوهر !.. جوهر الآدمى فى سلوكه وفعله قبل أن يكون فى قوله وتشدقه ! لذلك قيل إن الإيمان ليس بالتمنى، وإنما مـا وقر فى القلب وصدقه العمل !

من المحال أن يأتى علاج الفصام بين الكلمة والفعل من المريض أو المرضى بهذا الداء الوبيل. فهم فى أغلب الظن لا يحسون به ولا يستشعرونه. المريض الوحيد الذى يحس بمرضه، هو المريض بداء عضـوى يشعر بألمـه أو بوخزه، أما المريض بعوارض نفسية وأخصها الفصام، فإنه لا يراها ويعمى عنها بل ولا يحسها. العلاج لا يأتى إن أتى إلاّ من المجتمع حين يتعمق فهمه وترشد موازينه فيرى الأشياء على حقيقتها بعيدا عن تقولات المتشدقين وتزيينات المزينين. تستقيم الأمور حين يكتشف المجتمع ويكشف ما فى الفصام بين الكلمة والفعل من دمامة وقبح. حين يرفض ذلك ويأباه ويشيح ويعرض عنه. هذا هو وحده الكفيل بإيقاظ مرضى فصام الكلمة والفعل من وهدة ما هم فيه أو يخادعون به الناس !

من الآفات الوبيلة أن تكثر الكلمات حتى تفقد معانيها، وينسى الناس أنه برغم قيمة الكلمة، إلاَّ أنها مرهونة بما يصادقها من عمل فى دنيا الواقع والفعل والسلوك !

تستقيم أمور المجتمعات، أفرادًا أو جماعات، حين ترفض الكذب والغش، وتجعل لهما جزاءً رادعا يثنى عن اللجوء إليهما أو استسهالهما. رأينا فى محاكمة الرئيس الأمريكى كلينتون أن نقطة «المحز» التى لم تُغفر له، أنه كذب !.. رأينا عبر الفضائيات أنهم فى جلسة مساءلته بالكونجرس ــ قد تركوا كل شىء بما فى ذلك كرامة المنصب، وتوقفوا فقط عـند «الكذب»، فصار كل هم الرئيس الأمريكى أن يفـلت من تهمة أو جريرة الكذب !

لا رجاء فى الفرد أو المجتمع أى مجتمع ـ إذا تسامح فى الكذب والغش، وأعطى الكاذبين والغشاشين ما يعطيه للأسوياء الصادقين، وربما أكثر مما يعطيهم أو يتيحه لهم !

ولا رجاء فى شىء نافع، مادام هذا الانفصال بين الكلمة وبين الفعل والسلوك !

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »