رجائى عطية

من تراب الطريق (720)

شارك الخبر مع أصدقائك

من سنوات بعيدة، لم يعد الآدمى يقلع عن الذنب إقلاعًا خالصًا ويتوب إلى الله توبةً نصوحًا كما كان يفعل الأولون، وقد يعتبر مطالبته بالتوبة إساءةً وإهانة، مع أن الأوائل كانوا يطالبون بها بعضهم بعضًا بلا حرج ولا ضيق، وكان يقال لأمير المؤمنين: «تب إلى الله»، فلا يغضب ولا يناقش وينطق لفورة بعبارات التوبة إلى الله، فلا تخلو حياة الفرد من لمم، والتوبة تطهر، يسعى إليها كل مؤمن ينشد أن يقابل ربه بقلب سليم وبصفحة ناصعة.

تتوه النفوس فى اندفاعاتها اليوم، عن أبواب السماء التى أخبر الله تعالى أنها مفتوحة للداعين وللتوابين والمستغفرين..

السماء مفتوحة لأدعية الضارعين.. «ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ» (الأعراف 55، 56 ).

وفتح الله تعالى أبواب توبته ومغفرته بما يكفكف عن المؤمنين، ودعاهم سبحانه إلى طريق بابه، قال لهم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (التحريم 8 ).

فقد معظم الناس للأسف تلك الديانة الحية، ولم يبق لديهم إلاَّ الاعتزاز الظاهرى بالاحتفالات والطقوس والمواكب والزيارات والمواسم والأعياد الاصطلاحية التى تجمع وتبهج وقد تعطى للعلاج أو الاستجابة أو الصدقة.. تشملها جميعًا هذه الاصطلاحيات الكمالية التى يتنافس عليها عادة القادرون كل على مستواه الدنيوى !!.. صارت عبادة الكثيرين عبادة مظاهر تكتفى بمجرد أدائها الظاهرى البارد، لا يستلهم روحهــا إلاّ الذى يجـد فيهـا مأواه من التائهين أو السائلين الباحثين عما يلملمهم من الضياع!

وكثيرون هم من يحصرون أنفسهم فى الألفاظ الفخمة الرنانة الموحية ـ فى فصيحها وعاميها، ويستعرضون بها الماضى الغابر الجميل، ويكتفون بالقعقعة الكلامية، ويكفون عن اللحاق بالتطور العام الذى قادته الجماعات المتقدمة المتطورة فيما بلغته الآن من تقدم العلوم والمعارف والفنون، وما وصلت إليه حضاراتها الجادة الحديثة.. ناسين أن العودة إلى الماضى الغابر الذى كان لا أمل فيها إلاّ بإعطاء الحياة ما تستحقه من السعى والعمل والمجاهدة والبذل والإخلاص !

حتى إستحسان الحى للماضى الذى كان، قد فقد بوصلته فى أن يكون إستلهامًا للقيم والمعانى؛ لا للأشكال والأزياء والذقون والمظاهر..

ليست قيمة الماضى فى أن نعيشه كما كان، وإنما فى أن نعيش قيمه ومبادئه ونستقطر روحه.

من المحال أن يستغنى الحى عن حاضره ليعيش ماضى السابقين مهما حلا فى نظره.. لا سبيل لذلك مهما حاول أو كابد وتحمل وظن.. لأن ما يراوده ليس إلاّ خيالاً عن ماضٍ يجافى حاضره الذى لم يعد يفهمه ويريد أن يعدله بمجرد تمنى الماضى الذى لم يعدْ له وجود.. هذا كله زيف وخيال وادعاء وعناد لا أول له ولا آخر ـ ينتهى دائمًا بالتعصب والتطرف الضرير وبالقتل العشوائى أو الشروع فيه بلا تمييز بين شخص مقصود أو غير مقصود، أو اعتبار للسن أو الجنس أو الدين أو اللغة أو المواطنة، وبغير حساب للقرابة أو الانتماء الوطنى أو القومى.. إن القتل العشوائى أو الشروع فيه لتلك الغاية الضريرة، يقطع قطعًا تامًا حاسمًا بين من ارتكبه وبين جميع البشر الذين يعرفهم ممن له بهم قرابة أو صداقة أو خلطة أو جوار، وبداهة يقطعه ويغلق احتمال أى تواصل يمكن أن يكون بينه وبين من لا يعرفهم وليس له بهم صلة خاصة أو غير خاصة.. هذا الضرير لم يدخل حربًا ولم يكافح قاطع طريق، إنما يريد أن يستحيى القديم الغابر من أمده البعيد بقتل الأحياء الأبرياء بغير ذنب إلا ذنبه هو الجنونى التصورى الضرير الذى لا معنى له ولا أصل فى مسيرة دنيانا.. هذه المسيرة التى لا يمكن أن تتراجع قط أو تعود القهقرى إلى أمس بعيد أو قريب.

الحياة تستلهم الماضى وتعتبر به وتستفيد من قيمه ودروسه، ولكنها لا تعيشه ولا تنحصر فيه.. قيمة الحياة فى قدرتها الدائمة على الإضافة وملاحقة عصرها والعطاء فيه !

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »