Loading...

من تراب الطريق (1285)

رجائى عطية

6:22 ص, الثلاثاء, 22 مارس 22

أزمة الزعامة السياسية

(15)

أقرب الدكتاتوريات زمانًا بالثورة الفرنسية، هى دكتاتورية نابليون بونابرت، تلك الدكتاتورية التى كانت من مفرزات تلك الثورة، وقد كان بونابرت (1769 – 1821) محسوبًا عليها، ومعدودًا منها. كانت الثورة الفرنسية منتشرة وعنيفة بحلول عام 1793، وواجهت من بدأوا فى حمل السلاح لدعم الفصيل الملكى ضد قوات الثورة، حتى صارت فرنسا فى حرب أهلية، بينما انخرطت فى حروب مع دول أخرى أرادت استعادة النظام الملكى.

فى هذه الظروف الملتبسة بزغ نجم نابليون، وصعد إلى الصدارة كقائد للحكومة الثورية ضد القوات الملكية، ونجح فى سحق تمرد داخلى، ثم قاد عدة حملات ناجحة ضد تحالف الدول الأوربية، وحقق انتصارات مشهودة فى كل معاركه، حتى أصبح بطلاً قوميًّا فى فرنسا بسبب موهبته العسكرية الفذة، واستغل هذا الوضع لتنظيم انقلاب 11 بروميو للإطاحة بالحكومة، وغدا القنصل الأول للجمهورية الفرنسية، وسرعان ما أصبح إمبراطورًا لفرنسا عام 1804، وجعل من فرنسا القوة الأوربية الأولى والرائدة.

حين انفرد بونابرت بالسلطة، كان كل زعماء الثورة الفرنسية قد طارت رقابهم على المقصلة، ومن نجا لحق به الموت أو الفرار إلى خارج فرنسا، ومن ثم صار الإمبراطور هو الحاكم المطلق، والدكتاتور المستبد، المتحكم فى كل المصائر، والرقاب، وقصته جديرة أن تُروى كمثل واضح على أزمة الزعامة السياسية، وما يعترضها من الإقصاء والانفراد بالسلطة، والحكم الدكتاتورى المستبد.

كان لأعماله وتنظيماته تأثير كبير على السياسة الأوربية فى العقد الأول من القرن التاسع عشر، وهيمن خلال فترة حكم لا على فرنسا فحسب، بل هيمن على الشئون الأوربية والدولية، فقد قاد فرنسا إلى سلسة انتصارات عسكرية مبهرة على كل القوى العسكرية التى اعترضته، فيما عرف بالحروب النابليونية، وبنى إمبراطورية كبيرة سيطرت على معظم أنحاء أوروبا حتى سنة 1815، وقد كان هذا كله مادته لصيرورته الدكتاتور المستبد الأوحد فقد حلا للناس كبطل قومى لا يشق له غبار، وصعد بفرنسا إلى أعلى عليين ، وما كان يمكن أن يحلو فى عيون الناس حتى قارب الشمس، ولا يحلو فى عين نفسه، وعشق ذاته، وهذه أولى درجات الانفراد والاستبداد.

طفق ينتشر بقواته فى كل مكان، وجاءه على رأس حملته إلى مصر عام 1798/ 1801، وامتدت حملته إلى الشام الجنوبية، ولكنه فشل فى حصار عكا، وقتل نائبه الجنرال كليبر فى مصر، وأخفقت الحملة فى النهاية إزاء المقاومة المصرية، واضطرت للرحيل عام 1801، وتورط فى غزو روسيا سنة 1812، وكانت هذه خطيئته الكبرى، الناجمة عن انفراده بالرأى وبالسلطة، فما أن توغل فى روسيا حتى أكلت جيشه البرودة والثلوج والمقاومة الروسية، فأصيبت قواته بأضرار وخسائر جسيمة، بشرية ومادية، ثم هزم سنة 1813 فى معركة الأمم، وفى السنة التالية اجتاحت القوات فرنسا ودخلت العاصمة باريس، وأجبرت نابليون على التنازل عن العرش، ونُفى إلى جزيرة ألبار.

بيد أن بونابرت نجح فى الهروب بعد أقل من سنة، ومن طرائف ما يروى أنه فور هروبه، كانت التصريحات ومانشيتات الصحف تحمل «هروب الطاغية»، «القوات تطارد الطاغية المتجبر»، «سقوط الهارب صار وشيكًا»، «هيهات أن ينجح»، فلما طفق يقترب من باريس، تعدلت الصياغات، وأخذت تتراجع شيئًا فشيئًا، حتى تغيرت إلى الإمبراطور المنتصر، والقائد المظفر ! وهذا دائمًا حال الاستبداد !

لا يزرع إلاَّ الخوف، عَبَّرَ الشعبُ عن الكامن فيه من ضيق ورفض للإمبراطور المستبد وهو بعيد، فلم اقترب إقترب معه الذعر والخوف، فانقلبت التصريحات من الرفض إلى الترحيب !

ما إن عاد للتربع على عرش فرنسا، حتى استأنف هروبه لاستعادة مجده السابق، ولكنه تلقى هزيمة مرة فى «معركة واترلو» فى يونيو 1815، واستسلم بعد ذلك للبريطانيين الذين نفوه إلى جزيرة «القديسة هيلانة»، المستعمرة البريطانية، حيث أمضى السنوات الست الأخيرة من حياته تمضية مهينة، وعَزَّ عليه الطعام والكساء، واسودت أمامه الحياة، حتى غادرها فى 5 مايو 1821 عن واحد وخمسين عامًا. قيل إنه توفى بسرطان فى المعدة وقيل بل مات مسمومًا، ودفن حيث مات، ولكن نجحت فرنسا فى استرداد جثمانه بعد سنوات، ليدفن فى «الإنفاليد».

لم يكن سقوطه الشخصى هو كل أزمة الزعامة حين تنفرد بالسلطة وتقصى من عداها، وإنما أضر ببلاده وشعبها ضررًا بالغًا، لم يكن ليحدث لولا هذه الآفة من آفات الزعامة التى لم ينج منها إلاَّ من حكَّم عقله، ولم يأخذه التيه بالسلطة بعيدًا عن الحكمة وسداد الفكر والرأى والقرار !

www. ragai2009.com

[email protected]