Loading...

من تراب الطريق (1283)

رجائى عطية

4:13 ص, الأحد, 20 مارس 22

أزمة الزعامة السياسية

(13)

لن تنتهى قصص زعماء الثورة الفرنسية الذين صَفَّى بعضهم بعضًا، فدعونا نرى كيف طالت «الجيلوتين» المحامين الكبار الذين أبوا إلاَّ القيام بواجبهم فى الدفاع عن المتهمين أمام محكمة الثورة الفرنسية، التى لم تتوان عن الدفع بأعناق المحامين إلى المقصلة!

فى عام 1792/ 1793 ومقصلة الثورة الفرنسية تحصد الرقاب والأرواح، لا تفرق أو لا تفرق كثيراً بين مذنب وبرئ، وتتلوث بالدماء صفحتها مع الحرية التى انفجرت من أجلها، لا تتهيب المحاماة من أن تقف مؤدية رسالتها فى الدفاع حتى عن الملك لويس السادس عشر الذى أجمعت الثورة على استئصاله فى محاكمة أرادت أن تكون شكلية وتمسك فرسان المحاماة بأداء واجبهم العظيم فيها أياً كانت المخاطر!

وقف برييه الكبير يصرخ فى وجه محكمة الثورة الفرنسية والمقصلة فى عنفوان عملها تحصد عشرات الرءوس كل يوم ليقول للمحكمة عبارته الشهيرة : «إننى أتقدم إليكم بالحقيقة، وبرأسى أيضًا.. فتصرفوا فى إحداهما بعد أن تستمعوا للآخرى!!».. بينما «ماليزيرب» العظيم وقد جاوز السبعين يتقدم من تلقاء نفسه إلى رئيس الجمعية العمومية التى اعتزمت محاكمة لويس السادس عشر بخطاب يقول فيه : «لا أدرى هل المجلس سيعين للويس السادس عشر محامياً يدافع عنه ؟ أم أنه سيترك له حرية الاختيار. فإن كانت الثانية، فإننى أحب أن يصل إلى علم لويس السادس عشر أنه إذا وقع اختياره علىّ لأداء هذه المهمة فإننى على استعداد لأن أبذل فى أدائها كامل جهدى. لقد دعانى مرتين لأكون وزيرًا وقت أن كان ذلك المركز مطمع أنظار الطامعين، لذلك أعتقد أننى مدين بالوقوف إلى جواره فى الوقت الذى يرى الكثيرون ما ينطوى عليه ذلك من تضحية ومجازفة!!».

لم يكن «ماليزيرب» العظيم من أنصار ما كان يجرى إبان الملكية الآفلة، فهو حبيب للشعب محب للعلم مغرم بالأدب، ورفض فى المرتين دعوته للاشتراك فى مجلس الحكم، وتخلى عن المنصب مرتين أخريين، وكان من أشد المهاجمين لإساءة استخدام السلطة، المنتصرين لكرامة واستقلال المحاماة، وعلى رأس المطالبين بإلغاء «خطابات السجن بغير محاكمة».. وإلى ذات هذا النظر السامق فى احترام حق الإنسان فى الدفاع عن نفسه صدر «ماليزيرب» فى إقدامه ومعه مساعده على الدفاع عن الملك المخلوع!!.

لم تمنعه ظروف المحاكمة، ولا القاعة الغاصة بأعداء الملك والملكية، والجماهير الصاخبة، ولا شبح المقصلة المخيم، ولا سطوة هيئة المحكمة من أن يخاطب الملك المخلوع بالأدب اللائق بمنصبه الذى كان، فعيل صبر المحكمة فقال له رئيسها فى غلظة وجفاء : «من أين لك تلك السلطة التى تخولك أن تدعو لويس كأبيه باللقب الذى ألغيناه ؟!».. لم يهب «ماليزيرب» أن يقول : «من إزدرائى لما يجرى هنا، ومن حياتى كلها!.» إلى جواره وقف «دى سيز» يقول لمن نصبوا من أنفسهم قضاة خارج الشرعية لمحاكمة لويس السادس عشر : «إننى أجول ببصرى أبحث عن قضاة فلا أجد إلاً خصومًا!!».. لم ترهب فارسى المحاماة المقاصل المنصوبة فى كل مكان، ولا أنهار الدماء الجارية بغير عقل، فوقف «دى سيز» ينادى بأعلى صوته «إن الخصم لا يجوز أن يكون حكمًا، وإن القاضى إذا أبدى نظره فى القضية المعروضة أمامه لم يعد جائزاً له أن ينظرها أو يحكم فيها!!».. كان الفارسان يعلمان النتيجة المحتومة لهذه الجرأة فى أداء رسالة الدفاع، ولا يستبعدان أن تحصد المقصلة رأسيهما كما حصدت رءوسًا غيرهما وقد للأسف كان!!! فلم يمض عام على إعدام لويس السادس عشر حتى أعدم «ماليزيرب» وأفراد أسرته، ولحق به «دى سيز» جزاء القيام بواجب المحاماة وقرباناً لحريتها واستقلالها وفروسيتها!.

كان «فوكيه» المدعى العام الفرنسى يمثل الاتهام فى محاكمة مارى أنطوانيت إبان الثورة الفرنسية قبل أن تلتهمه هو ذاته مقصلة الثورة!.. فى المحاكمة كان يصب جام غضبه على القصر وأهله، وعلى الملكة التى أخذ يتهمها بنهر سيال من المخازى، بيد أنه فوجئ بمحاميها «لاغارد» يبدى مرافعة رائعة، تفند وتدحض كل المزاعم والافتراءات، ولم يكتف بذلك وإنما ختم مرافعته بمآثر أخذ يحصيها للملكة فى حصول الشعب على حريته.. لم يطق فوكيه الصبر، ولم يستطع التحكم فى أعصابه أو الالتفات إلى الاحترام الواجب للدفاع، فنهض محموما ليأمر الحرس بإلقاء القبض على المحامى الذى ترافع وأجاد ولم ترهبه يد الثورة الباطشة!

قد كان ذلك كفيلا بأن يردع «ترونسون» المحامى التالى للدفاع عن الملكة، وأن يستمد الحذر والحكمة من رأس الذئب الطائر، إلاّ أن رسالة المحاماة المالئة لصفحة وجدانه المتغلغلة فى أعماق ضميره، قد دعته لأن يبذل ويبدى ولا يجفل أو يخاف، فمضى فى مرافعته يرد اتهامات فوكيه بقوة وعنف، فما إن انتهى حتى كان الحرس يطبق عليه بأمر فوكيه أسوة بزميله الذى سبق!! ومن عدالة السماء أن رقبة «فوكيه» قد طارت بدورها على المقصلة!

حدث هذا التغول والافتئات على المحاميين، مع أن أحدًا منهما لم يرتكب جريمة تأديبية أو جنائية، أو يسب خصما أو مدعيا أو شاهدا، أو يقذف فى حق أحد من هؤلاء.. كانت المرافعتان محض تفنيد بالحجة والمنطق والبيان لما قاله المدعى العام، ومع ذلك لم يتسع الصدر لمقارعة حجة وبيان الدفاع، فأمر المدعى العام فى صلف بالغ تحت نظر المحكمة بالقبض تباعًا على المحاميين.. كان قد سبق إلى المقصلة «ماليزيرب» وأسرته و«دى سيز» لأنهما اجترآ على الدفاع بجدية عن الملك لويس السادس عشر الذى أعدم بالمقصلة منذ تسعة أشهر!!

هذه الأحداث التى مررنا ببعضها، تعكس أزمة الزعامة السياسية التى لم تنج منها الثورات، ولا الأنظمة الاستبدادية، ما بين الإقصاء والإبعاد، والانقلاب والخيانة والطعن فى الظهر، واصطناع الاتهامات والمحاكمات للتصفية، أو الاغتيال إذا كان أسرع. كل ذلك بسبب حب السلطة، وعشق الزعامة. إنها آفة تاريخية، من أوضح أمثلتها سيرة زعيم النازية وصانع الحرب العالمية الثانية «أدولف هتلر»، والجنرال الإيطالى الفاشى «بينيتو موسولينى»، والدكتاتور السوفييتى المستبد «ستالين»، وشواهد التاريخ عديدة، ولكن لا أحد يتعظ او يعتبر!!

www. ragai2009.com

[email protected]