Loading...

من تراب الطريق (1282)

رجائى عطية

8:18 ص, الخميس, 17 مارس 22

أزمة الزعامة السياسية

(12)

الفتـى الذهبى للثورة، أو المركيز المذبذب، ألقــاب أُطلقـت علـى «لافاييت»، قصته مع الثورة الفرنسية مأساة أشبـه ما تكـون بمأسـاة الكونـت دى ميرابو، فقد دخل خضم أحداث الثورة يافعًا فى الثانية والثلاثين من عمره، كان هذا سنّه يوم شبت الثورة وسقط الباستيل عام 1789، وهو مثل «ميرابو» خرج من مسرح الثورة خروجًا مشينًا بعد نيف وعامين، فى 1792، ليجد نفسه فى قائمة الخونة، المطلوب رءوسهم لتطير على المقصلة !

كانت نشأته سببًا لشخصيته المعقدة المحيرة، التى تميزت بالتمرد والذبذبة بين المتناقضات، حتى صار مرفوضًا من زعماء الثورة، مرفوضًا من أعدائها !

سافر إلى أمريكا عام 1777 ليقاتل مع الثوار فى حـرب الاستقـلال الأمريكية تحت إمرة «واشنطون». صار برتبة لواء وهو لا يزال فى العشرين من عمره، وأبلى فى الحرب بلاءً حسنًا، وكان إلى جوار «واشنطون» فى الانتصار فى «يورك تاون» ليعود بعدها عام 1781 إلى فرنسا متوجًا بأكاليل الغار.

انتخب بعد عودته إلى باريس ممثلاً للنبلاء فى مجلس الطبقات، صار من أوائل الداعين لإعلان حقوق الإنسان، واختير قائدًا للحرس الوطنى يوم سقوط الباستيل، وبلغ قمة مجده فى عيد الإخاء الفيديرالى (14 يوليو 1790).

فلماذا سقط أو لماذا أُقصى وطورد ؟!

أفل نجمه بعد مذبحـة نانسى، وسقط كزعيــم سياسـى، ولم يبق له إلاَّ «الجنرال» المسئول عن جانب من الجبهة حينما تعرضت فرنسا للغزو، وأُعلنت الحرب مع النمسا فى 20 أبريل 1792، ووقف «روبسبير» وحده يندد بالحرب، وخطب أول مايو فى اليعاقبة يقول: «كلا ! أنا لا أثق فى الجنرالات، فباستثناء قلّة منهم شريفة ـ فإنهم جميعًا على وجه التقريب آسفون على ضياع النظام القديم وعلى ضياع المزايا التى كان البلاط الملكى يغدقها عليهم ! كلا، لا أعتمد إلاَّ على الشعب والشعب وحده».

كان «لافاييت» يقود الجيش فى الحدود الشمالية الشرقية مع بلجيكا، وكان يخطط للزحف على باريس ليقيم مذبحة لليعاقبة، وفقًـا لمـا كتبـه فـى خطابه للجمعية التشريعية فى أول أكتوبر 1791 وفقًا لدستــور 1791، وفـى 16 يونيو 1792:

«أفلأننا يجب أن نحارب الأجانب الذين يتدخلون فى خلافاتنا، فهل يعفينا هذا من إنقاذ وطننا من الطغيان الداخلى ؟! يجب أن تبقى سلطة الملك غير منقوصة، لأن الدستور يضمنها. يجب أن تكون مستقلة، فاستقلال سلطة الملك دعامة من دعامات حريتنا. يجب أن يكون الملك موقرًا لأن الملك يجسد الجلالة القومية….»

فى 15 يوليو 1792 اقترح النائب «باسير» إدانة «لافاييت» بتهمة الخيانة العظمى، إلاَّ أن الجمعية التشريعية رفضت اقتراحه.

وبعد خمسة أيام طالب «روبسبير» مرة أخرى بالقبض عليه، وأيد «باسير» اقتراح «روبسبير» ولكن الجمعية التشريعية رفضته بالأغلبية. وبعد ستة أيام اقتحمت الجماهير الثائرة قصر «التويلرى» من جديد، فلجأ الملك إلى الجمعية التشريعية يحتمى بها، وبعد مناقشات طويلة قررت الجمعية اعتقال الأسرة المالكة وأرسلتها تحت الحراسة إلى السجن، وعينت للقيادة «ديمورييز» بطل معركة «فالمى»، فأمر بالقبض على «لافاييت»، ولكن «لافاييت» هرب فى 19 أغسطس 1792 من «سيدان» مقر قيادته، إلى معسكر الأعداء مع ثلاثين من ضباطه، ولكن النمسويين ما لبثوا أن اعتقلوه، وظل معتقلاً نحو خمس سنوات، ولم ينقذه إلاّ استيلاء نابليون بونابرت على السلطة فأمن عودته إلى فرنسا عام 1797 منقذًا إيَّاه من مصير محتوم !

www. ragai2009.com

[email protected]