من تراب الطريق (1241)

رجائى عطية

7:02 ص, الأثنين, 17 يناير 22

نبض قلبٍ مؤمنٍ بالله

ولم أتعود فى حياتى على ترف التخفف من العمل، أو الاستمتاع بالأجازات الطويلة. وأذكر أنه لدى عودتى من الولايات المتحددة فى 6 أغسطس 1992، بعد توصية طبية جازمة بأن ألتزم الأجازة والراحة لثلاثة أشهر على الأقل من تاريخ إجراء جراحة فى القلب بتاريخ 16 يوليو 92 ــ فى مستشفى القديس لوقا فى هيوستن بولاية تكساس، إلاَّ أنى وقد صحبونى يوم العودة لمصر، إلى فيللا إشتريناها حديثًا فى مارينا بالساحل الشمالى، مع أسرتى وأسرة شقيقتى المرحومة حرم الإذاعى الأديب ــ وإبن خالى ــ سعد زغلول نصار. كانت الإقامة فى ذاتها ممتعة، وأمامى البحر بمياهه الفيروزية، ومن خلفى البحيرة، والكل يتسابق لرعايتى، إلاَّ أننى لم أطق البعد عن العمل سوى ثلاثة أيام، وانطلقت رغم كل التحذيرات، لأقود سيارتى بنفسى عائدًا إلى القاهرة، حيث إشتد إشتياقى إلى مكتبى الذى تركته مضطرًا فى 10 يوليو للسفر لإجراء تلك الجراحة.

لم أكن أتصور أن يحجزنى شىءٌ مهما كان عن عملى الذى أحبه، فى المحاماة، وفى الكتابة والتأليف. فإذا بالكورونا اللعينة تهاجمنى بشدة، رغم تطعيمى باللقاح مرتين، والتزام كافة التعليمات الصحية، وكانت الجائحة من الشدة بحيث حجزتنى معزولاً فى حجرة نومى ثلاثة أسابيع كاملات.

وما كدت أُشفى وأعاود كتابة « عمودى » المحبب بجريدة المال، إلاَّ وتلقيت بعد أسبوع صدمة العمر، والوجيعة التى تدمى القلب، بوفاة كبرى أولادى ــ المهندسة هالة، فجأة، وبلا مقدمات، مساء الثانى من يناير. أتمنى ألاَّ يلقى أحد هذا الابتلاء.. إبتلاء يترك فى القلب ــ رغم صدق الإيمان ــ نواحًا وأنينًا لا أحسب أنه سوف يغادره، مهما طال ــ إن طال ــ بى الزمن.

لقد عانيت وفاة الأب ووفاة الأم والأخ والأخت.. وكانت معاناة شديدة، بيد أن معاناة وفاة الضنا، معاناة مختلفة، تترك فى القلب جرحًا لا يندمل، وأنينًا وبكاءً صامتًا لا ينقطع. ربما يسألنى القارئ لماذا ؟ أقول لكم باقى الوفيات جميعًا تطوى صفحة أو صفحات فى الماضى، وقصاراها أن تطوى صفحة فى الحاضر، أما رحيل الضنا فهو يطفئ كل شموع المستقبل، ويطوى صفحة المصاب فى بنيه أى فى مستقبله وهو حى، فالمستقبل الحقيقى للأب والأم هو فى ذريتهم، وانطفاء صفحة أحدهم يطوى صفحات المستقبل أمامهما. وجيعة القلب ليست نقصًا فى الإيمان، ولا اعتراضًا على إرادة الله ـ إننى مؤمن قوى الإيمان والحمد لله، ومؤمن بالقدر خيره وشره، ومؤمن بأنه لكل أجل كتاب، وأومن بأن هذا أجل ابنتى بإرادة الله، وأن احتمال البلاء واجب، إلاَّ أنه لا حيلة لى فى نزيف قلبى. أجل قلبى ينزف، وأشفق على القارئ من الإفصاح أكثر عما أعانيه فى هذا الإبتلاء.

الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وإنا لله وإن إليه راجعون.

رسوله، عليه الصلاة والسلام، هو الذى حدثنا عن وجيعة قلب الأب والأم على ضناهم. فى حديث صحيح، أخرجه الترمذى، فقال فى حديثه..

«إذا مات ولدٌ لعبد، قال الله عز وجل لملائكته : قبضتم ولد عبدى، فيقولون نعم، فيقول جل شأنه: قبضتم ثمرة فؤاده. فيقولون : نعم، فيقول تبارك وتعالى : ماذا قال عبدى؟. فيقولون : حمدك واسترجع. فيقول تباركت أسماؤه : ابنوا لعبدى بيتًا فى الجنة وسمّوه بيت الحمد».

لا أكف، والحمد لله، عن شكره وحمده، وعن أنه لا حول ولا قوة إلاَّ به عز وجل، وأننا لله، وأننا إليه راجعون. لله ما أعطى، ولله ما أخذ. لا أسأله إلا أن يُلهمنى الصبر الذى هو ملاذى فى محنة قلبى.

أكتب هذه السطور لعمود الغد، ولست أدرى فى هذه اللحظة هل سأستطيع كتابة العمود التالى. لا يندهش أحد، فمقالاتى فى الصحف الأخرى كانت مُعَدّة سلفًا، أما عمودى فى المال فهو «طازة».. أكتبه يومًا بيوم ــ أشكر كل من عزانى، وأشكر جريدة المال ورئيس تحريرها ومحرريها على حسن عزائهم، وأرجو أن أتواصل وإياكم بالكتابة فى آتى أيامنا. دمتم بخير.

www. ragai2009.com

[email protected]