رجائى عطية

من تراب الطريق (1022)

شارك الخبر مع أصدقائك

عالم الإنسان، فى رحاب الكون!

(4)

ونحن نتوارث ما تعودناه من تلك المخترعات، ونضيف إليها باستمرار ما يستجد من جديد، بحيث صـارت بالنسبة لنا كبشر تشكل فى الواقع نوع وأسلوب وموضوع حياتنا الاجتماعية والفردية فى نظرنا.. ويستحيل على الآدمى أن يعيش إذا حرم من هذه اللوازم التى باتت أساسية عنده.. تشكل فيما تشكل مسكنه وملبسه وطعامه الملائم للحياة كما اعتادها وألفها فى حدها الأدنى فى اعتقاده!

هذا العالم من الاستكشافات والاختراعات البشرية يملأ أيام وأعمار كل آدمى، ويغص به وعيه ويملأ عقله وواقع عقله وخياله، ويغذى ويستأسر عواطفه الطيبة والرديئة، ويكوّن على الجملة حقيقة عالم الإنسان أو الغالبية الغالبة من عالمه!

فلا غرابة فى أن يبقى الإنسان العادى إلى اليوم وإلى مستقبل يقصر أو يطول محصورًا فى عالم الإنسان لا يفارقه، ولا يكاد ينظر إلى الكون والعالم الخارجى إلا نظرة عابرة سطحية قــد تكون هامشية لا تعنيه كثيرا!.. وربما كان هذا من أسباب ضيق مساحة ميدانه الأخلاقى وصعوبة قبوله قبولا فعليا كاملا أو شبه كامل للقانون الأخلاقى الذى تفرضه الديانات التى اعتنقها ويعتنقها الآن.. مراعيًا فقط مراسمها وبعض طقوسها ومواسمها وأعيادها والتى لا ينظر إليها إلا من خلال عالمه المحصور حتى فى تصوره للخالق عزّ وجلّ وللآخرة أو للحساب أو الثواب أو العقاب الأخروى.. إذ هو يدمج الكون والعالم الخارجى الهائل فى عالم الإنسان الصغير المحدود بحدود وعيه وتصوراته واعتقاداته وعواطفه.. مفترضا أن الكون كله جزء من عالمه وليس إلا جزءا من عالمه يجرى عليه ما تخيله هو من حق أو صدق أو خلاف ذلك مما صح لديه فى عالم الإنسان وحسب شرعة الآدميين وأعرافهم ومألوف عاداتهم فى حياتهم ووفق زمانهم وأحوالهم وظروفهم!!

اقرأ أيضا  واجبات إنسانية لنظام دولى مرتقب

لكن هذا العالم الخارجى قد لفت فقط فضول أهل الأرض، على نحو غامض مشوش داخله كثير من الخيال والافتراض البشرى.. هذا الفضول قد جذب إليه المنجمين والمشتغلين بالفلك والكهنة مستخدمين ما معهم من الرياضيات الأولية فى وضع التنبؤات والبشارات وأنواع الزيجات وجداول الأرصاد الفلكية وقراءات الطوالع باعتقاد امتلاء السماوات بالأسرار والغيبيات المختفية عن عامة أهل الأرض وخاصتهم.. وعلى أساس أن السماوات مقر أهل العالم العلوى غير الفانين ولا الخاضعين لمحدودية الزمان والمكان!.. ولم يبد من الآدميين حركة جادة متجهة إلى ما لا وراء جو الأرض من فضاء وما حواه قريبه وبعيده إلا فى القرن السابق وبصفة خاصة فى النصف الأخير منه.. وقد كلفتهم حركتهم وتطلعهم نفقات طائلة، وهذه الحركة الجادة لا تزال فى بداياتها.. وهى برغم إذاعة أخبارها بمختلف وسائل الإعلام واهتمام العلماء المبالغ فيها، لم تجتذب بعد العاديين من البشر اجتذابا يمكن أن يغير فى مصدقاتهم ومعتقداتهم التى أورثهم إياها آباؤهم وأجدادهم من مئات أو آلاف السنين، ولم تفك عنهم انحصارهم فى عالم الإنسان الذى وصفناه، ولم تدفعهم بعد إلى توجيه استعدادات الآدمى للاستكشاف والاختراع.. هذه الاستكشافات التى جاوزت كل توقع إلى ريادة الفضاء وتهيئة وعى الإنسان وإرادته وجرأته لتبادل الإفادة والاستفادة من تعميق الاتصال بالكون وما فيه من طاقات وقوى وإمكانيات وتكوينات ليس لها حد أو آخر ولم يخطر مثلها من قبل على قلب بشر.. وربما غطت هذه الكنوز والقوى والإمكانيات على كل ما أتاحته الأرض للآدميين منذ وجدوا عليها.. ولا يستبعد عندئذ أن تتغير نظرة البشر إلى الأرض والتفاتهم إلى عالمهم وسجنهم داخله فيتغير عندئذ كل ما بنى على هذه النظرة القاصرة من تصورات ومصدقات وآمال وأحلام وأطماع وكل ما تثيره هذه النظرة من مخاوف وأوهام وخلافات وأسباب للتناحر والصراع والعداوة.. فتتغير هذه النظرة إلى رحابة ليس لها حد، وإلى اتساع لا يوجد معه شعور بالضيق أو المحدودية.. يصبح معه كل ما معنا من حسن وقبيح ومؤنس وفاجع ودافع إلى الرضا أو السخط، سخافة خالية من أى معنى لدى الآدمى الذى تطور عالمه وصار جزءًا متصلاً متناغمًا من الكون الرائع الهائل العظيم!

اقرأ أيضا  فى مواجهة التحديات الإثيوبية.. ومن وراءها (2 - 2)

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »