رجائى عطية

من تراب الطريق (1021)

شارك الخبر مع أصدقائك

عالم الإنسان فى رحاب الكون! ،

(3)

فى مستهل كتاب : الإنسان العاقل وزاده الخيال، قلت إن الإنسان كائن عاقل، بوصلته عقله، وزاده الخيال.. فلم يتميز الآدمى بالعقل وحده عن سائر الكائنات، وإنما تميز بالخيال، زاد ومدد العقل الذى به يحلق فى المكان والزمان.. ينقله فى المكان بغير سفر. ويستحضر به الماضى ويتصور الغيب ويستشرف المستقبل دون أن يفارق اللحظة.. فى خيال الآدمى مع عقله سر قدرته على الفكر والإبداع.. إن خواطرنا وأفكارنا تتلاحق فى وعينا بلا انقطاع، يتزاوج فى صنعها العقل والخيال. فالخيال قطعة من وعى الآدمى لا تفارقه إلى أن يرحل.

حماقة كبرى أن يستهين أى آدمى عاقل بوجود الخيال ودوره الأساسى فى حياة كل منا، فأوقات الآدميين ليست إلاّ ميادين اصطلاحية لخيالهم بالنسبة لحياتهم، يقيسون بها حركات الزمان فى المكان كما تصوروها.

إن فضائل الإنسان العظيمة، كلها نبت لخيال الآدمى.. لولاه ما عرفها البشر.. ولولا هذا الخيال الذى جذب أفذاذًا فركبوا الصعب وكرسوا العمر وثابروا وقاوموا وصبروا، ما عرف تاريخ البشر قيمة ومكانة وجدوى وكرامة الإخلاص والصدق والاستقامة والشجاعة والمثابرة والبطولة والوفاء والتضحية والإيمان. فالآدمى مركب بالغ الدقة والإحكام والإتقان.. من حصاد هذه « المزاوجة » والعلاقة الحميمة بين «البوصلة» و«الزاد» كتبت هذه الصفحات، مشدودًا معلقًا فيها بالمعنى الكلى، واجب الوجود، وبالحياة والإنسان.

اقرأ أيضا  الذكاء الإنسانى.. الاستعداد والحصاد (4)

وخيالنا يشغل فى وعينا منطقة حرة من القيود التى تتقيد بها منطقة الواقع.. فمنطقة الخيال لا تتقيد بالزمان والمكان على أى وجه لا أصالةً وعموماً ولا فروعاً وتفصيـلات.. ولا تبالـى بالفوارق بين الممكن والمستحيل والحىّ والميت والوجود والعدم والصدق والكذب وما نسميه بالحـق أو البـاطل. ومن ثم كان خيالنا سوقا مفتوحة المنافذ والأبواب لعواطفنا، لا تفارقها الرغبات والأهواء والمطامع، كما لا تفارقها الهموم والمخاوف والمخاطر.. وهذه وتلك على درجات تتفاوت باختلاف طبائع الأفراد وعاداتهم وبيئاتهم.

ولم ينقطع قط بين البشر وجود من يحاول تحويل ما فى خياله إلى واقع مهما كلفه ذلك من جهود ومعاناة.. والخائبون فى هذا السعى الذى لا يكف عنه البشر لا عداد لهم.. وفيهم من يموت فى المحاولة أو يصير عاجزا بسببها إلى أن يموت، ولكن ما بين يدى البشر من الاستكشافات والاختراعات وتطويرها إلى الحد الذى وصلت إليه حتى الآن هو فى الغالب نتيجة إصرار وبجهد أفراد من هذه الفئة التى تصر وتدأب على تحويل الخيال والتمنى إلى واقع.. معظمهم غير معروف، وبعضهم قد يذكر التاريخ أو المؤلفات أسماءهم، وتسمى بأسمائهم، النواميس والمقاييس والمعادلات والنظريات وأحيانا الأنهار والجزر والخلجان حتى القارات..

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1044)

والاستكشاف هو معرفة البشر عمومًا لشىء أو قوة أو طاقة أو علاقة أو ارتباط أو ناموس عام لم يعرفه البشر أو يتقرر لديهم من قبل، وإن كان موجودا أو يعتقد البشر وجوده منذ وجود العالم الخارجى.. فالاستكشاف هو معرفة واتضاح قدرة الآدميين على الاستفادة من هذا الكشف فى توسيع آفاق حياتهم وقدراتها. أما الاختراع فهو دائما أمر بشرى صرف لا وجود له إلا بسبب وجود الآدمى وعقل الآدمى ولخدمة غرض أو أكثر من أغراض الآدميين.. نفعيا كان أو مثاليا.. به يتم للآدمى ابتداع أشياء من تخيله لم تكن موجودة.. لأنها أشياء كانت موجودة فى الطبيعة على صورة أو صور مغايرة.. فجميع الأدوات والوسائل والأجهزة التى يستعملها الآدمى بدائيا كان أو متمدينا على اختلاف أشكالها وحظها من البساطة والتعقيد فى حياته بدايةً ونهايةً ونومًا ويقظةً وجدًا ولعبًا وسلمًا وحربًا منفردًا ومجتمعًا.. هذه الأدوات والوسائل والأجهزة مخترعات بشرية لا يمكن أن تخدم للنفع أو الضرر إلا آدميين.. ولا يبقى لها بعدهم إذا انقرضوا أى معنى أو نفع!

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1046)

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »