رجائى عطية

من تراب الطريق (1019)

شارك الخبر مع أصدقائك

عالم الإنسان، فى رحاب الكون !

(1)

هل تأمل أحد، تأملاً حقيقيًا متعمقًا، فى خلقه وما فُطر عليه ووُهب ومُنح إياه من خصائص ونِعم ؟! هل وعى أحد وعيًا متفطنًا معنى الآية القرآنية الحكيمة: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً» ؟! (الإسراء 70).

هل تأمل أحد معنى وجوهر هذا التكريم الذى تفصح الآية الكريمة عن تمييز الإنسان به ـ بأمر ربه ـ بين باقى الخلائق والكائنات فى هذا الكون الهائل العظيم ؟! لو تأمل الإنسان فى خصائصه وقدراته وما هو عليه ويعيش به، لأتاه الجواب واضحًا وأدرك جوهر هذه الآية القرآنية الحكيمة. أجل الآدمى مخلوق حىّ يشارك الأحياء من الحيوان فى كثير من الأجهزة والوظائف، لكنه قد وهب وهذا ما يميزه بعالم خاص به، وهب القدرة التى تكاد تكون غير محدودة على الاستكشاف والاختراع.. استكشاف نفسه واستكشاف المخلوقات الأخرى، واستكشاف ما فى ذلك كله من الاستعدادات والصلاحيات والإمكانات التى منح إياها لابتداع أشياء من أشياء وصور من صور وأشكال من أشكال وقوى من قوى وحركات من حركات وسرعات من سرعات وتركيبات وقدرات من عناصر ومكونات مختلفة لم يسبق لها وجود فى الكون الذى لم يتصل به الآدمى.. هذه الخصائص مكنت الآدمى وتمكنه من إرضاء تخيلاته وأحلامه وأطماعه وتصوراته وتنمية ذلك كله واستمرار الزيادة والتغيير والتبديل فيه.. أى أنه بالفعل مكرم متميز فى عالمه ذلك الذى امتاز به ولا تشاركه فيه الأحياء الأخرى التى لا تخرج عن التوالد والتكاثر أو النمو التلقائى، بينما الآدمى وإن وجد تاماً لا يجدد ذاته أو يضيف إليها وما خلقها الله تعالى عليه، إلاّ أنه يمتلك ويستطيع بتدخله الآدمى أن يجدد ويعدل، وإن كانت صورته فى وعيه وذاكرته لا تستقر على حال لتعرضها دائـمًا للمراجعة.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1021)

إذن فإن عالمنا الذى يقضى فيه كل منا حياته بحلوها ومرّها، عالم آخر مغاير لا يطابق سنن الكون.. يتسع له الكون ولكن لا يعترف به أو بإنجازاته فيما يبدو ! .. وهو عالم مبنى ـ أعنى عالم الإنسان ـ على استعدادات الآدمى وقدراتـه الآدميـة فـى الاستكشـاف والإختـراع الآدمـيين، وعلى أشواقه التى لا تنطفئ فـى هـذين الاتجاهين.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1020)

حسبك أن تقارن بين البارجة الضخمة أو العمارة الضخمة، وبين خلية النحل أو بيت النمــل.. هذان لا يندثران قط . يجدد النحل خليته والنمل بيته كلما أنكره، فى المكان الذى يلائم بيئته، بينما البارجة إذا عطبت أو تقادمت تصير كومة من الحديد، والعمارة إذا اختلت أو انقضى طرازها تصير تلاً من الأنقاض!. وقد لا يفكر آدمى فى إعادتها من جديد،

اقرأ أيضا  على السياسيين التصرف كرجال دولة

إذ ليس فى تركيبها كبارجة أو كعمارة، عنصر دائم يصر الآدميون على تكراره وبقائه واستدامته.

واللغة هى أكثر ما ترتسم فيه هذه الخاصية الآدمية.. فلغات الآدمى كليات ومجردات وأصوات تداول أسماء وأفعالا فى الذهن والمخيلة لا فى الواقع.. يربط بينها إشارات وحركات وظروف وحروف تساعدها على حكاية الواقع والخيال والموجود والمعدوم والكثير والقليل، وعلى صياغة قرارات الآدمى وأحلامه ومخاوفه وأوهامه، وعلى حفظ معلوماته وتصوراته ومصدقاته وعقائده، وعلى توارثها وإمكانية تعديلها وتغييرها وتوسيع أو تضييق مجالاتها ومفاهيمها، وتفسح الطريق أمامه لتطويرها وتنقيحها، وتزوده بزاد لا ينفد من فرص العلاقات العاطفية والنفعية والأخلاقية والمثالية، وتبنى وتقوض بذلك كله عالم الإنسان وحضاراته فى الزمان والمكان وضمن الكون الهائل العظيم الذى يتسع ويصبر ويتحمل وأحيانا يشجع، ولكنه قد يدمر ما أقامه الآدميون فى غرورهم وحماقاتهم!

www. ragai2009.com

rattia2@hotmail.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »