من تراب الطريق العطاء والإيثـار (87)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

لأن قتال هؤلاء كان حمقًا، وبلا سبب بعد أن ظهر الحق، فإن هؤلاء المندفعين إلى قتال لا ضرورة له، سرعان ما ارتدوا منهزمين، ولاذوا بالفرار، ولجأ أكثرهم إلى دورهم، فأغلقوا عليهم أبوابها طلبا بالأمان الذى وعد به الرحمة المهداة فيمن وعد من أغلق عليه بابه.

ويقول الرواة إن النبى ﷺ سأل فى موضع القبة التى نصبت له بالحجون بشمال مكة عن خالد بن الوليد الذى دخل مكة من جنوبها، فقيل له لعله يقاتل، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله حَرّم مكة.. فهى حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة».

ومن على البعد لاحت طلائع خالد بن الوليد وهى تدفع أمامها من بادروها بالقتال، إلى رؤوس الجبال، ولمح الرحمة المهداة ﷺ بارقة سيوف، فسأله من حوله ما هذا، فقيل له إن خالدًا يقاتل، فقال عليه الصلاة والسلام غاضبا: «ألم أنه عن القتال؟!» فقال بعض الصحابة: «قوتل خالد فقاتل، ولو لم يُقَاتل ما قاتل؟» فأمر عليه السلام أصحابه بأن يبلغوه فورا بالتوقف عن القتال.

● ● ●

بعد بعض ساعة، كان خالد بن الوليد يقف أمام النبى ﷺ، فيسأله عاتبا لماذا قاتل وقد نهى عن القتال، فأجاب خالد: «هم يا رسول الله بادرونا بالقتال ورمونا بالنبل ووضعوا فينا السلاح.. كففت عنهم ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام أو أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، فأبوا إلاّ قتالنا، فلم أجد بدا من قتالهم، فظفرنا الله بهم فهربوا من كل وجه!».. أمره النبى ﷺ أن يكف عن القتال، فأبدى خالد أن قد كف فعلا عن القتال، فقال عليه الصلاة والسلام: «قضاء الله خير».

فى ذلك اليوم، طفق القرشيون والمكيون بعامة، يدخلون فى دين الله أفواجا، وكان ممن أسلموا فى ذلك اليوم أبو قحافة والد أبى بكر الصديق، وكان قد طعن فى السن، وأوشك أن يكف بصره، ومع ذلك أبى هذا الشيخ أن ينتقل إليه الرسول ﷺ وصمم أن ينتقل بنفسه ليشهر إسلامه بين يدى الرحمة المهداة عليه الصلاة والسلام.

مكث النبى ﷺ نحو ساعة بالقبة الى ضربت له، حتى اطمأن الناس، ثم اغتسل ودعا براحلته القصواء، واستوى عليها وقد حف به الناس، والخيل تسعى فيما بين الخندمة إلى الحجون، وإلى جواره عليه السلام سار أبو بكر والصحابة، والنبى آخذ فى قراءة سورة الفتح، حتى بدت الكعبة فى الأفق، فتقدم عليه الصلاة والسلام على راحلته واستلم الركن بمحجته وكبر والمسلمون يكبرون ويرجعون التكبير من ورائه حتى كادت جنبات مكة أن ترتج من أصداء التكبيرات. وعلى قمم الجبال المحيطة بالبيت الحرام، وقف المشركون ينظرون وقلوبهم مملوءة بالحسرات، بينما بدأ الرسول ﷺ الطواف بالبيت، ثم أقبل على الحجر فاستلمه ليستكمل الطواف، وكلما مرَّ عليه الصلاة والسلام بصنم من الأصنام المقامة بالكعبة والتى بلغت ثلاثمائة وستين صنما، أشار بطرف القوس فتنهال عليه طرقات المسلمين، بينما يردد النبى صلى الله عليه وسلم: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا».

وإذ انتهى الطواف، وأرخى الليل سدوله، التفت عليه الصلاة والسلام إلى «هبل» أكبر الأصنام حجما ومنصوب فى جوف الكعبة، فنادى إليه على بن أبى طالب، وأمره أن يصعد على منكبيه لهدم الصنم، بيد أن على استهول أن يصعد على منكبى الرسول، وطلب أن يعلوه هو، ولكن النبى ﷺ صمم على ما أمر به، فصدع على وقد تملكه الحياء والإشفاق وهو يصعد متحرجًا على كاهل النبى، ثم نهض به النبى ﷺ إلى حيث صعد فوق ظهر الكعبة، ليقوم على وكان قوى البنية بزحزحة الصنم حتى وقع على الأرض وقد تناثر قطعا وأجزاء، والنبى عليه السلام يردد كلمته المأثورة فى ذلك اليوم الميمون الذى فتحت فيه مكة، ويجرى تطهير البيت الحرام من الأوثان والأصنام: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا».

وعلى جانب من الملتفين حول الكعبة، وقف أبو سفيان مبهورًا واجف القلب، فناوشه الزبير بن العوام، وكان يقف إلى جواره، ها يا أبا حنطلة، قد كسر هبل!! أما إنك قد كنت فى يوم أُحُد فى غرور حين أخذت تقول: اعل هبل!! فقال له أبو سفيان خجلا: «دعنى ولا توبخنى يا ابن العوام! لو كان مع إله محمد إله آخر لكان الأمر غير ذلك!».

صلى النبى عليه السلام ركعتين، وانصرف ومعه المسلمون يكبرون إلى زمزم، فشرب عليه الصلاة والسلام وشرب معه المسلمون، وتوضأ وتوضأوا، والمشركون يرقبون فى تعجب وقد ملأتهم الحسرات، يقول بعضهم لبعض: ما رأينا ملكا قط أبلغ من هذا ولا سمعنا به!

(يتبع) 

شارك الخبر مع أصدقائك