رجائى عطية

من تراب الطريق‮ !‬ من همس المناجاة وحديث الخاطر (225)

شارك الخبر مع أصدقائك

يبدو أن الآدمى لا يشبع من مرضاة نفسه .. فهذه المرضاة وقود حياته .. يتخلل حرصه عليها جميع صلاته وواجباته ومساعيه ودواعيه .. وهو لا يترك ذلك أبداً مهما اجتهد فى مقاومته أو ستره، وكثيراً ما يحاول كبح جماحه والبعد عن الغلـو والمبالغـة بما يؤديان إليه من إفساد العشرة أو العشيرة، وذلك بمحاولـة الالتفات المعقول لمرضاة الآخرين، وهم شركاؤه فى الحياة، واحترام ما تواضعوا عليه من العدل والبر المعروف فى وسطهم وظروفهم وزمانهم .

كـل منا يستحسن وينحاز لنفسه .. حتى فى انتقاده لها أو اعترافه بذنوبها وأخطائها .. يقول لنفسه إن مواضع العيب والملامة فيها طارئة عليها من خارجها، ويرجو أو يوقن أنها ستفارقه، وأن نفسه سوف تستعيد براءتها عما قريب !

من دعاء الكروب، دعاء ذى النون .. إذ دعا ربه وهو فى بطن الحوت : «لا إِلَهَ إِلاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ » (الأنبياء 87). قال تعالى : «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ » (الأنبياء 88).

أكمل القلوب القلوب التى استنارت بنور الإيمان، وانقشعت عنها ظلمة الشهوات، وزالت من أمامها حُجُب الأهواء، وأشرقت بأنوار اليقين .

الحياة يلازمها سعى لا يهدأ ولا ينى ولا يكف، للحصول على المزيد ومزيد المزيد من الرضا عن النفس، وهذا المسعى الدائب قطب تدور عليه رحى الحياة ومعها تاريخ البشر المعروف وغير المعروف .. وفيه يختلف الأفراد والجماعات اختلافهم الأبدى الذى يتوزعون فيه بين ناجحين وفاشلين، وأصحاء ومرضى، ونشطين وخاملين، وواقعيين وأصحاب خيال، وأذكياء وأغبياء، وأغنياء وفقراء، وأمراء ومستعبدين، ومؤمنين وملحدين، ومعتدلين وجامحين .. إلى آخر هذه التصانيف التى تتفاوت فيها أنصبة الناس !

بدون «التكرار والإعادة » يستحيل أن توجد نفس أو كيان أو ذات، أو حاجة أو عاطفة أو شهوة أو أمل أو خوف أو فرح أو حزن، ويستحيل أن يوجد خيال أو عقل، ويستحيل أن يقاوم الحى عوامل الموت والفناء، ولا أن يداوم التناسل والتكاثر وتوالى الأجيال والأطوار والأعمار !

فى التكرار والإعادة لدى الآدميين، يغلب غياب البصيرة والتبصر، تحل محلهما الفطرة أوالغرائز لقرابتهما من اللوازم والضرورات والاحتياجات فى نظر الآدمى المحكوم بالآلية بحكم الاعتياد !

يقول ابن حزم فى طوق الحمامة : من بعض صفات الحب الكتمان باللسان، وجحود المحب إذا سُئل، والتصنع بإظهار الصبر !

شيئا فشيئا مع الزمن، فإن استقـام عودها تعرضت للصحة والمرض، والقوة والضعف، والتوالد والعقم .. ثم الشيخوخة والموت خلال الأطوار المكتوبة لها !

وأهم ما فى كل عبادة هو حقيقتها الروحية .. أى مقدار حيويتها واستعدادها للنماء والتطور، فقد تبدأ صحيحة لتنتهى ضعيفة هزيلة بلا تأثير فى محيطها، وقد تنمو وتشتد ويزيدها الزمن تطوراً ونضارةً فتطور بقوتها ونضارتها حياة الآدميين وبيئتهم وعصرهم .. وقد تقوى العبادة زمنا أو أزماناً ثم تقوى أكثر فأكثر إلى أن تفقد روحها فتندثر أو تصبح مجرد تقليد اجتماعى ضمن الأعراف والعادات التى تمارس يوميا أو فى مواسم ومناسبات معينة !

يحدث ذلك حين تفقد العبادة روحها وحيويتها لتصير تقليداً شكلياً يلتزم أوضاعاً وطقوسـا معينـة لا تتبدل ولا تكلف من يقومون بها إلا أعمالاً وحركات قليلة وتلاوات أقل فى أوقات متقاربة أو متباعدة، وتقابل باستحسان سطحى عام فى الجماعة دون اهتمـام بأثر أدائها على نفس الآدمى وعواطفه أو سلوكه أو مواقفه نحو الآخرين، ودون أى تتبع لخيط العبادة فى أطوار حياة الآدمى .

من يرى آيات ربه فى الآفاق، يدرك أن قرآنه المجيد حق .

خاصية العبادة الحية أنها دائما تتفتح ويتسع صدر صاحبها وأفقه لكل ما خلقه خالقه سبحانه، ولها من ذلك مذاق وطعـم يختلفـان .. يتجددان لا يتكرران، ولا تلحقهما رتابة أو آلية منشأهمـا اعتياد خـال مـن الانتباه والالتفات .. وهنا لا يفلت من العابد خيط اتصاله بمعبوده سبحانه، ولا ينسى قط أنه فى العبادة بين يدى الحضرة الإلهية وحدها لا يشغله همّ كان يقلقه أو مطمع كان يلعب بلبـه .. ولهذا يحسن فى العبادة ألاّ يطول وقتها على الناس تجنبا لإجهادهم أو تشتت انتباههـم عنهـا، وهـذان الأمران لم يعد يُحفل بهما كثيرا . إذ صار المهم أن يمتلئ مكان العبادة وأن تعلو وتخفت أصوات مألوف الأدعية والخطب والعظات لكى تتحقق مطالب المراسـم والتقاليد والطقوس، وإن لم تتحقق بذلك عبادة حية من أحياء إلى الحىّ الذى لا يموت !

لا وحشة فى قلب من حسن ظنه بالله .. وهو يهديه إلى أحسن العمل .

من الجهل والعماء والجهالة، الاعتماد على العفو مع الإصرار على الذنب !!!

رجائى عطية

Email:rattia@ragaiattia.com

www.ragaiattia.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »