استثمار

من تراب الطريق‮ !‬ قيم الثورات (8)

من الطبيعي أن تكون مقاومة التوريث، في مقدمة أهداف ومن ثم قيم ثورة  25 يناير 2011. وقد تجلي هذا في محاولات التهدئة والامتصاص التي بُذلت قبل ترك الرئيس السابق لمنصبه يوم 11 فبراير 2011. بيد أن هذه المحاولات لم تفلح…

شارك الخبر مع أصدقائك

من الطبيعي أن تكون مقاومة التوريث، في مقدمة أهداف ومن ثم قيم ثورة  25 يناير 2011. وقد تجلي هذا في محاولات التهدئة والامتصاص التي بُذلت قبل ترك الرئيس السابق لمنصبه يوم 11 فبراير 2011. بيد أن هذه المحاولات لم تفلح لأن حجم تراكمات المشروع قد أقام جبلاً ضخماً من سوء الظن لم يعد تجدي في إزالته وعود!! وساهم في سوء الظن وعدم تقبل الوعود ـ الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب، وهي فريدة في نوعها، لا لأن التزوير جديد علي أسلوب الإدارة المصرية في إجراء الانتخابات، وإنما لأن التزوير هذه المرة كان فاضحًا جهيرًا وزاعقًا ولازمه عنف يعلن عن التزوير بالقوة والإكراه.. فلم يعد هناك حياء لا خشية من التزوير وعواقبه، وعَزَّ علي النظام أن يعلن بوضوح حقيقة ما جري، وأن يسلم ببطلان تشكيل مجلس نيابي أحاطه البطلان من كل جانب، ولم تعد لديه البصيرة التي انطفأت شمعتها من زمن، ليدرك آثار هذا التزوير الفاحش، ولا تداعيات من أُسقطوا كرهًا وردود أفعالهم التي تحولت إلي حراب تضرب بقوة ـ ولها كل الحق ـ في النظام.. ولكل هذه  الأسباب التي يعانيها الشعب برمته ويتجرعها من سنوات، فإن ثورة الشباب لاقت تأييدًا من كل طوائف الشعب وأطيافه، ومن كل الأعمار والمهن والحرف، ومن النساء والأطفال.. وبدأت أهداف الثورة تتجلي من الأيام الأولي، وتلتقي مع مطالب وآمال الشعب.

إن التزوير الفاحش الذي حصل في انتخابات مجلس الشعب، ومن قبله مجلس الشوري، طرح ويطرح بشدة واحدًا من أهم أهداف ومن ثم قيم الثورة، وهو رعاية الديمقراطية لتكون واقعًا حقيقياً يلزم الحكم والحكومة والإدارة التي استسهلت علي مدار عقود -تزوير إرادة الناخبين والعبث بها وتزييفها.. ومن البديهي أن تطرح هذه القيم المأمول في تحقيقها ـ وجوب وضع دستور جديد وصالح للبلاد، يتلافي ما كشف عنه دستور 1971 من ثغرات استغلت أسوأ استغلال، وتقيم بناءً دستورياً يوافق ويتفق مع آمال مصر ويكفل توازن وحقوق السلطات وحقوق شعبها التي اغتيلت طويلا!!

وغني عن البيان أن وضع دستور جديد للبلاد مهمة دقيقة ليست من العلم العام، وتحتاج ـ فضلا عن استقراء اتجاهات الشعب ـ إلي متخصصين ليس فقط في القانون أو الفقه الدستوري بخاصة، وإنما تحتاج إلي تخصصات مختلفة تتضافر وتجمع بين القانون والسياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم، وأداء هذه المهمة يستلزم اختيارًا دقيقًا خالصًا متجردًا ينتقي أفضل العناصر في كل تخصص، ويوافق اطمئنان الشعب إلي توجهات كل منهم، ثم يستلزم توفير الوقت والإمكانيات والظروف لحسن القيام بالمهمة، وهي تستلزم أولاً وضع الخطوط العريضة متضمنة المبادئ التي تعبّر عن النظام الدستوري الذي يستقر عليه الرأي، هل البرلماني أو الرئاسي أو مزيج من النظامين، مرعي في كل اختيار الظروف والأحوال المصرية وما تحتاجه وتستلزمه.. وهذه المبادئ أو الخطوط  العريضة ينبغي طرحها للنقاش العام وينبغي أن تمر علي الشعب أولاً في استفتاء لا يأخذها جملة أو حزمة واحدة، وإنما يجب التفصيل لتأتي نتيجة الاستفتاء معبّرة عن الرغبة الشعبية في كل عنصر.. فهل الأفضل مثلا نظام المجلسين البرلمانيين أو المجلس الواحد، وحدود مهمة كل منهما في حالة ترجيح نظام المجلسين، وهل مثلا يكون نائب الرئيس بالتعيين أم بالانتخاب، وهكذا.. ثم يلي بعد الاستفتاء والاتفاق علي النظام الدستوري وخطوطه العريضة، ترجمة ذلك في نصوص، وصياغة النصوص عمل فقهي لغوي له أربابه، فإذا انتهت الصياغة توجب أن تعرض في استفتاء بذات النظام التفصيلي الذي يتيح بيان الرأي في كل عنصر، ويضمن اتفاق النتيجة مع الرغبة الشعبية المنوط بلجنة وضع الدستور التعبير عنها.. وكما تري فإن هذا العمل يحتاج بالضرورة إلي أهله، وذلك يستوجب إلتقاء الإرادة الشعبية مع الجهد التخصصي الفني والفقهي، في اتساق لا تربص، ويأتي الاتساق حين يكون اختيار اللجنة  موافقًا للإرادة الشعبية معبّرًا عن مجملها..      لقد طرحت في البداية أن ثورة الشباب أنجزت مهمتها الرئيسية بلا قيادة، ساعد علي ذلك في ظني أن الشعب كله قد التقي علي الأهداف ومن ثم القيم العامة للثورة، ولكن الحرص علي الثورة وقوة دفعها يستوجب الفرز الدقيق بين قيمها وبين الأهداف التي تداخلت معها أو أرادت ركوب الظرف لسبب أو لآخر.. فلم يكن من قيم الثورة وأهدافها حرق مجمع محاكم الجلاء وسراي الحقانية بالإسكندرية أو مبني الشهر العقاري ومبني النيابة الإدارية بالأزبكية، ولا مداهمة واقتحام سبعة سجون وليمانات في توقيت واحد وإطلاق ما يزيد علي 23 ألف سجين بعضهم من الخطرين جدًا علي أمن الوطن، ولا كان من قيم الثورة وأهدافها مهاجمة وحرق وسرقة سلاح قرابة أربعين قسم ومركز شرطة، أو السطو علي المتحف المصري في ميدان التحرير، أو الاستمرار في مهاجمة بعض المراكز والأقسام لتهريب سجين، ناهيك بحرق الكنائس وأعمال البلطجة التي طفقت تضرب أمن مصر والمصريين.

وإذا كان فرز وتنحية هذه الجنوحات سهلاً، لأنها ظاهرة التنافر مع أهداف الثورة وقيمها، وقد يكون واضحًا بالنسبة لمطالب بعض الطوائف وخلطها عمدًا أو استغلالا بالثورة، إلاّ أن الأمر يدق بالنسبة للمظاهرات والاعتصامات الفئوية. فظاهرها أنها تتفق مع أحد أهداف الثورة وهو تحقيق العدالة الاجتماعية، بيد أن هذه العدالة الاجتماعية لا تؤخذ جزءًا جزءًا، وإلاّ انتهت إلي مظالم أو مفارقات أخري تعطي للأعلي صوتًا أو الأكثر ضغطًا علي حساب الأخفض صوتًا أو الملتزم بالنظام حماية للثورة وأمن الوطن. تحقيق العدالة الاجتماعية يستلزم نظرًا عامًا يري الصورة بأكملها، شاملة إمكانيات البلاد، وما يمكن تدبيره، وشاملة خريطة عامة لكل الفئات، يجري عليها تسكين يتفق مع العدالة الاجتماعية المأمولة، وهكذا فإن قيم الثورة غاية بالغة الأهمية يجب أن يتضافر الجميع ويتعاونوا في كفالتها وتحقيقها.

كيف؟  هذه مسألة تحتاج بدورها إلي تأمل وبيان.

شارك الخبر مع أصدقائك