رجائى عطية

من تراب الطريق‮ !‬ توابع الفوضى (17)

شارك الخبر مع أصدقائك

والعفو عن العقوبة له غايات وضوابط يجب الالتزام بها، فهو باب لا يتسق مع النظام القانونى للدول، إذ بمقتضاه يخول لشخص مصدر القرار إبطال آثار الأحكام القضائية الصادرة عن محاكم الدولة، وينطوى على خرق مبدأ الفصل بين السلطات بإخلاله بقوة الحكم وباستقلال القضاء الذى أصدره، ثم هو يمس بالصفة اليقينية للعقوبة، ويفتح بابا لعدم الخضوع لها، وقد يكون هذا الخضوع لازما وواجبا .

وسلطة رئيس الدولة فى العفو، ليست سلطة تحكمية، وإنما هى تمارس على أساس من ذات الاعتبارات التى يسترشد بها المشرع والقاضى حين يسن أولهما العقوبة، ويوقعها أو يطبقها الثانى فى إطار ما يحكم القاضى من أدلة الإدانة والبراءة، ومواءمة وتفريد العقوبة إن حقت الإدانة . وعلى ذلك فإن العفو الرئاسى محكوم بوجوب موافقته لمصلحة المجتمع، ووجود مصالح حقيقية تبرر هذا العفو، والذى عنى القانون بوضع ضوابط لممارسته تحديدا وتقنينا له .

فقد رأينا أن المادتين 74 ، 75 عقوبات، وضعتا ضوابط ، فنصت أولاهما أن العفو لا يسرى أصلاً على العقوبات التبعية والآثار الجنائية الأخرى المترتبة على الحكم بالإدانة، ما لم ينص فى أمر العفو على خلاف ذلك، والمقصد من النص تنبيه صاحب القرار إلى أن العفو هنا مركب مضاعف، وإلى لزوم أن يكون لمثل هذا العفو المضاعف اعتبارات حاضرة فى ذهن صاحب القرار . ومثل ذلك، بل وأحوط منه، ما نصت عليه المادة 75 عقوبات، من أنه عند إبدال العقوبة بأخف منها، لا يجوز النزول إلاّ درجة واحدة، من الإعدام إلى السجن المؤبد، وأنه فى حالة العفو عن السجن المؤبد أو استبداله بعقوبة أخف ـ يتعين وضع المعفو عنه حتما ـ وكما قال النص ـ تحت مراقبة البوليس مدة خمس سنوات، كما أكدت فقرتها الأخيرة على أن العفو لا يشمل الحرمان من الحقوق والمزايا المنصوص عنها فى الفقرات الأولى والثانية والخامسة والسادسة من المادة / 25 من قانون العقوبات، ما لم ينص فى العفو على خلاف ذلك . فهذا بدوره تنبيه إلى ضوابط، وإلى وجوب أن يستند الخروج عنها إلى اعتبارات يجب أن تكون حاضرة فى إصدار العفو على خلافها .

وأنت لست بحاجة لأن أذكر لك أن قرارات العفو المتعاقبة التى عرضتها، قد خرجت عن ذلك، ولم تلتزم به، ونزلت ـ مثلا ـ بعقوبة الإعدام لمدة 15 سنة، وأعفت عن بعضها بلا عقوبة بديلة، ولم تقرر قط وجوب وضع المعفو عنه تحت مراقبة البوليس لمدة خمس سنوات أو حتى أقل من ذلك .

زد على ذلك أن قرارات العفو خرجت عن قاعدة أن للعفو عن العقوبة طابعا احتياطيا، بمعنى أنه لا يلتجئ إليه إلاّ إذا صار الحكم بالعقوبة باتا، فطالما كان الحكم غيابيا يجوز المعارضة فيه، أو قابلا للطعن بالاستئناف أو بالنقض، فإن العفو عن العقوبة يغدو ماسا وتعرضاً للسلطة القضائية بغير موجب ولا مبرر، طالما فى وسع المحكوم عليه أن يعارض فى الحكم الغيابى، أو يستأنف الحكم الحضورى، أو يطعن عليه بطريق النقض .

وفى ذلك تقول محكمة النقض إن محل العفو : «أن يكون الحكم القاضى بالعقوبة غير قابل للطعن بأية طريقة من طرق الطعن العادية أو غير العادية ».

كما يتعين أن تكون العقوبة المحكوم بها لم تنقض بعد، ذلك أنه لا علة للعفو إذا كانت العقوبة قد انقضت، حالة كون هذا العفو لا يمحو الإدانة كالعفو الشامل الذى لا يكون إلاّ بقانون . هذا بينما شملت قرارات العفو محكوما عليهم بأحكام غيابية، وبأحكام قابلة للطعن عليها مما غدا معه العفو مصادرة على السلطة القضائية .

على أن محاذير وأخطار هذه القرارات، ما حملته بعض الصحف من أن بعض من شملتهم قرارات العفو، تخصص فى توريد السلاح إلى سيناء، ومنهم من قضى بعقابه بالسجن المؤبد، وأن شيوخ القبائل السيناوية قد اعترضوا بسبب الإفراج عن (16) مهربا للأسلحة الثقيلة، ومنهم أربعة من قتلة شهداء رفح، وأن قرارات العفو صدرت من الرئاسة مباشرة إلى مصلحة السجون مما حال دون اتخاذ الإجراءات الاحتياطية الواجب اتخاذها .

ممارسة سلطة العفو، وهى باب استثنائى، يجب أن تكون فى إطار فلسفة حاضرة فيما يصدر به من قرارات، ومما يذكر، ويبدو أن الحاضر فى الفوضى وتوابعها لم يلتفت إليه، أن ثورة يوليو 1952 تنبهت إلى ذلك وراعته فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952 ، فقد اتجه بالعفو إلى الجرائم السياسية، وعنيت مذكرته الإيضاحية ببيان معنى الجريمة السياسية، وتناولت ذلك عدة أحكام لمحكمة النقض فى 1953/11/17 ، وفى 1953/11/16 ، وفى 1954/4/1 ، وورد بهذه الأحكام لمحكمتنا العليا : «إن الشارع قد حدد فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952 ومذكرته الإيضاحية معنى الجريمة السياسية التى قصد أن يمنح العفو لمرتكبيها بأنها هى التى ارتكبت لسبب أو غرض سياسى وقيدها بأن تكون متعلقة بالشئون الداخلية البلاد، وذلك لعلّة معينة رآها هى إسدال الستار على التطاحن الداخلى وآثاره باعتبار أن الإجرام فى هذا النوع لا يستهدف الجانى فيه إشباع غرض شخصى أو يندفع إليه بباعث من الأنانية ». (حكم نقض 17 نوفمبر 1953). وتطبيقا لهذا المعيار، استبعدت محكمة النقض بهذا الحكم الجريمة المعروضة عليها لأنها ليست من الجرائم السياسية التى يشملها العفو، وقالت فى ذلك ما نصه : «وإذن فمتى كان الثابت أن الطاعن دين بأنه : أولا ـ انضم إلى جمعية بمصر ترمى إلى سيطرة طبقة اجتماعية على غيرها من الطبقات وإلى القضاء على طبقة اجتماعية وقلب نظم الدولة الأساسية للهيئة الاجتماعية، وكان استعمال القوة والإرهاب والوسائل الأخرى غير المشروعة ملحوظًا فى ذلك، ثانيا ـ روج بالمملكة المصرية لتغيير مبادئ الدستور الأساسية والنظم الأساسية للهيئة الاجتماعية وكان استعمال القوة والإرهاب والوسائل الأخرى غير المشروعة ملحوظًا فى ذلك، فإن الحكم المطعون فيه إذ قال إن هاتين الجريمتين ليستا من الجرائم السياسية التى قصد المرسوم السالف الذكر العفو عنها ـ يكون قد طبق القانون تطبيقا سليما ». وفى حكمها الصادر 16 نوفمبر 1953 ، قضت باستبعاد طائفة أخرى ـ من دائرة الجرائم السياسية التى يمكن أن ينصرف إليها العفو، وقالت : «إن الجرائم التى ارتكبت لغرض دينى أو اجتماعى تخرج عن تلك الحدود، ولا يمكن اعتبارها جريمة سياسية، كما عرفها الشارع فى المرسوم بقانون رقم 241 لسنة 1952».

كانت هذه ثورة تعرف ما تريد، وتلتزم بأصول حددتها، لا خلط فيها ولا تخليط،وأنت حين تستعرض قرارات العفو سالفة البيان التى طفنا ببعض ما ورد بها، لا تجد فيها جريمة سياسية واحدة ، وإنما عن جرائم جنائية بالغة الخطر ، وقَضَّت وتقض مضاجع وأمان وحقوق المصريين ، ما بين القتل العمد مع سبق الإصرار والشروع فيه ، والاتجار فى السلاح والذخائر ، وتهريب الأسلحة الثقيلة ، والخطف والسرقة بالإكراه ، وإتلاف الممتلكات ، وحيازة وإحراز الأسلحة النارية والبيضاء، والعبث بالحدود المصرية والمناطق العسكرية المحظورة، وبحرمة الأراضى المصرية وثرواتها المعدنية، وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر ، وأنه لابس جانبا من هذه القرارات عناية باتجاهات حزبية معينة ، ولا تصدر عن قيم وأهداف الثورة التى تتمسح بها، ثم هى لم تقدم أى منطق أو أسباب يستشف منها أن فكرة «العدالة » كانت حاضرة ومطبقة فى العفو الذى شمل فيمن شمل من ارتكبوا جنايات فى غاية الخطر !!!

 

رجائى عطية

Email:rattia@ragaiattia.com

www.ragaiattia.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »