من تراب الطريق‮ !‬رابطة العقائد ‮»‬4 – 4‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

إن عالمنا الحاضر واسع المعارف الطبيعية والوضعية سعة غير مسبوقة، إلي حد أنها عمت الآفاق وغصت بمنتجاته الأسواق. لكنه علي سعته الهائلة في ظاهر ما يحصله من علم وما يقدمه من إنتاج ومبتكرات وسلع من شتي الأصناف والألوان، لا يكاد يمس أعماق الآدمي. لأنه لا ينشد إبتداءً وانتهاءً ترقية داخل الإنسان كما كان يفعل عشاق وطلاب المعرفة في الزمن القديم.. برغم قلتهم آنذاك وقلة إمكانياتهم وقلة ما كان لديهم من الوسائل والأدوات والفرص، بينما صار عالمنا الآن لا ينشد من معارفه ـ في الدرجة الأولي ـ إلا الشهرة والسمعة والرزق والمنفعة والاتصال برجال المال والأعمال وفتح منافذ الصناعة والتجارة علي كافة مصاريعها وإفساحها بلا حد.. ويكاد اهتمامنا اليوم بالمعرفة والعلم والتعلم ـ يكاد يتوقف عند ما هو محسوس وخارجي وعرضي وعملي وتكنولوجي ويسوقنا سوقاً شديداً باستمرار إلي خارج كل منا.. أي إلي ما ليس لنا عليه سلطان حقيقي.. سلطان يمكن لوعينا وفهمنا وإرادتنا وذات كل منا أن تحدد وتراقب خطواتنا فيه مراقبةً متأنية فعالة منظمة محققة لتوازن مطرد فعال بين داخلنا وخارجنا.. ونظراً لفقد ذلك التوازن ـ بات كل تقدم أو تطور في عالمنا ينطوي علي مكنون من المخاوف وإرهاصات التخلف تهدد بدمار توشك أسبابه أن تنفجر وتطلق من التداعيات ما لا قبل للآدميين بكفاحه والصمود في وجهه!

 
ومن الملحوظ، أن الروابط بين مجاميع الأفراد في جماعة معينة، تميل إلي ترجمة نفسها إلي عقائد وأعراف فكرية ومادية، لتعود فتترجم نفسها إلي روابط اجتماعية أكثر تركيبا وتعقيدا.. وتتكرر هذه العملية طردًا وعكسًا بغير انقطاع ما بقيت الجماعة محتفظة بوجودها. ولذا كانت محاولات تفسير العقائد أو المعتقدات تفسيرا يردها إلي أصول بسيطة قابلة للفهم الواضح غير المشوب بالافتراض والخفاء والغموض ـ كانت هذه المحاولات بالغة الصعوبة والتعقيد، لكنها لم تثن الآدميين عن ممارستها بالقدر المتاح في كل عصر حسب ظروف الزمان والمكان والمحيط.. لأن البشر لا يكفون عن تقليب النظر والفهم ولا عن تعديله وتغييره، كلما رأوا الفرصة مهيأة أمامهم لذلك.

 
وجمود عقل الآدمي، مهما اشتد، هو جمود نسبي.. لأن العقل البشري إنما يعيش علي احتمالات يعايشها.. وهي كامنة ومتغلغلة في صميم يقينياته وثوابته.

 
ومعايشة الاحتمالات والاعتماد الدائم الهائل عليها، جري ويجري بصورة معقدة دائبة التعقيد والتركيب.. وهي التي حفرت ـ فيما يبدو ـ تلك الهوة العميقة جدا بين الآدمي وبين بقية الأحياء، رغم التماثل العجيب الذي بينه وبين الثدييات العليا في الجسد والغرائز.. وبرغم هذا التماثل، لم تستطع أي طائفة أو فرد من هذه الثدييات العليا ـ عبور تلك الهوّة التي تفصلها عن الآدميين ومشاركة وعي الآدمي واحتمالات وعيه.. كما لم يستطع الآدمي إلغاء وجود هذه الهوّة أو نسيانها علي أي نحو في صلاته وتعامله مع كافة الأحياء الأخري التي تسيدها بحكم ما له من عقل وذكاء وفطنة.

 
ويبدو أننا ندين إلي الاحتمالات التي ليس لها حد أو نهاية، ومعايشتها والالتصاق التام بها، ومقابلتها ومواجهتها.. ندين لهذه الاحتمالات بكل ما يكون معنا مما نسميه حضارة وتمدنا ومعرفة وعلما وفنا وذوقا وفكرا ورقيّا في آدابنا وسلوكنا وأخلاقنا، وفي مساكننا وطعامنا ولباسنا، وفي كل ما يخالط حياتنا في عملنا وحركتنا وسعينا وراحتنا ولهونا ورياضاتنا. ولو توقفت مسيرة هذه الاحتمالات غير المحدودة التي نعيش بها ونواجهها ونعايشها، لتوقفت تماما حياتنا التي نعرفها، وتوقف معها كل ما نسميه آدميتنا وبشريتنا وإنسانيتنا.

 
ودور العقائد، والرابطة التي تربط بين أهل كل عقيدة، بمثابة السقف الذي يتطامن به وتحته معظم الآدميين في حركتهم وسعيهم في خضم الحياة التي لا تبقي علي حال، وتجري أقدارها في صيرورة دائمة يتوقف الأحياء عن الحياة إذا لم يتفهوها ويلاحقوا حركتها.

 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »