رجائى عطية

من المسئول عن هبوط مستوى الشعر (3)

شارك الخبر مع أصدقائك

يرجع الأستاذ العقاد عدم قدرة «المتحررين» على محاربة الشعر القديم بتحريره من الوزن والقافية واللوازم الموسيقية، يرجعها إلى أن أوزان الشعر أصيلة عميقة القرار فى طبيعة الشعب كما نرى من أوزان الأزجال والمواويل وتراتيل الأفراح ونواح الأحزان.

ولأن بعض هؤلاء المتحررين يجهل او يتجاهل معنى العروض، فإنه يقول إنه يزن الشعر بالتفعيلة، وهى فيما يورد الأستاذ العقاد ـ كلمة لا فرق بينها وبين ألوف الكلمات فى الأوزان العروضية، وإنما يأتى الوزن (وفى كل بحر من بحور الشعر الستة عشر) من جمع التفعيلات معًا، ويختلف ذلك بين كل بحر وبحر آخر باختلاف حركات الحروف (بين الساكن والمتحرك).

وقد عجزت هذه الدعوات ـ قديمًا وحديثًا ـ عن المساس بتراكيب الأغانى الشعبية التى يمكن القول بأنها تستغنى بأنغام الآلات عن الأوزان العروضية، وعجزت عن المساس بتراكيب الزجل، وهى مقياس للشعر الذى يمكن أن يشيع فى اللغة العامية.

فإذا عجز هذا الشعر المتحرر ـ كما يقولون ـ عن الشيوع فى الكلام الدارج، فإنه أعجز أى أكثر عجزًا عن الشيوع فى اللغة الفصحى، ومن ثم يراه الأستاذ العقاد أعجز من أن يكون سببًا فى هبوط مستوى الشعر الحديث.
وربما جاز لى إزاء ما بتنا نراه الآن، من تحرر الدخلاء على الشعر من الأوزان والقافية واللوازم الموسيقية، ومما بات ينشر من غثائهم على أنه شعر فى الدوريات المختلفة، حتى شاع واختلط الحابل بالنابل لدى الكثيرين فى معنى ومفهوم وميزان الشعر ـ ربما جاز لى أن أرى أن ما استبعده الأستاذ العقاد سنة 1962 من أن يكون سببًا فى هبوط مستوى الشعر، قد صار الآن سببًا واضحًا من أسباب هبوط مستوى الشعر !

هذا ولا يصطدم هذا الرأى مع رأى الأستاذ العقاد المبدى من ستين عامًا، فقد طرأت بعد ذلك ظواهر واستشرت صار بها هذا «التحرر» الضرير ـ سببًا ولا شك من أسباب هبوط مستوى الشعر، ولا نقول إنه السبب الوحيد، وإنما هو أحد الأسباب المؤثرة ـ بنسب مختلفة ـ فى هبوط مستوى الشعر الآن.

هذا ولا يبرئ الأستاذ العقاد الأسباب الأخرى جميعًا من هذا التأثير، لأنه يستبعد تجرد الطبيعة الإنسانية من حاسة الشعر فى فترة من الزمن، ويُرْجع ذلك لكون التجرد من هذه الحاسة مرادف للتجرد من بواعث الحياة.

قد تقوى هذه البواعث أو تضعف، وقد تصح أو تفسد، وقد تحسن أو تقبح، ولكنها لا تموت كل الموت فى كل الأوقات.
ويخلص الأستاذ العقاد إلى أن هبوط مستوى الشعر، يرجع ـ على الأرجح ـ إلى توزيع الاهتمام به مع غيره، ولا يرجع إلى فقدان هذا الاهتمام.

كان الشعر منفردًا بالتعبير عن العاطفة الإنسانية فى العصور الماضية، بيد أن العصر الحديث قد ازدحم الآن بالمعبرات العاطفية ليل نهار، وازدحمت وسائل نشر هذه المعبرات ما بين المكتوب والمشاهد والمسموع، عبر الصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، فضلاً عن الأغانى والسينما والأدوار التمثيلية، ومن ثم لم يعد الشعر منفردًا بالتعبير عن العاطفة الإنسانية كما كان سلفًا.

وهناك سبب آخر فيما يرى، ويقاربه فى التأثير، يقع على أكتاف أولئك المحكمين التقليديين الذين أشار إليهم سلفًا، لأنهم أجهل الناس بالشعر الرفيع، ولا يزالون رغم ذلك يتحكمون ـ للأسف ـ فى أذواق السواد الأعظم من عشاق الشعر على السماع.

وآفة هؤلاء المحكمين التقليديين ـ أن دوافع العاطفة عندهم ضعيفة فاترة، تسقط من الحسبان كلما أخذوا فى قياس الشعر بالقياس الوحيد الذى يقدرون عليه، وهو قياس الطلاء والتنميق !
وعرف الأستاذ العقاد من هؤلاء من يعتبرون الشاعر مثلهم الأعلى فى الغزل، مع أنه ينظم الشعر خمسين سنة فى عاطفة الحب على غرار واحد، يكشف عن أن التعبير عن عاطفة فعلية غائب تمامًا عنهم، بينما الشعر عاطفة ووجدان، أو كما قال المرحوم الدكتور عبد الرحمن شكرى على غلاف ديوانه الأول :
ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدان

والحب يختلف فى الوجدان للعديد من الأسباب، لا لسبب واحد، ناهيك بخمسين سنة.
كذلك يختلف العاشق والمعشوق.
وهذه العاطفة أقوى العواطف الإنسانية التى يعبر عنها الشاعر، وجهل المحكمين التقليديين بهذه الحقيقة يقودهم للخطأ فى التعرف على الشعر الرفيع.

rattia2@hotmail.com
www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »