رجائى عطية

من المسئول عن هبوط مستوى الشعر (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

حذفت من عنوان المقال الذى تراه عبارة «فى هذه الأيام» فقد يُظن إن تركتها أنها تشير إلى أيامنا هذه، بينما كتب الأستاذ العقاد هذا المقال فى فبراير 1962 بمجلة الهلال، أى من أكثر من نصف قرن، والأجدر أن يقال الآن : فى تلك الأيام، ولكننا لا نملك تغيير العنوان الذى اختاره الأستاذ العقاد لمقاله آنذاك، ومن ثم آثرت حذف هذه العبارة، وهى لا تغير المعنى أو تنتقص من تعبير العنوان عن موضوع المقال.

هذا ونحن لا نستطيع أن نقيس أسباب هبوط الشعر الآن، على أسباب هبوطه من ستين عامًا، فلا مراء فى أن هناك أسبابًا جديدة طرأت على الأسباب القديمة، والتى ربما امتد أثر بعضها للآن، ومع ذلك يبقى فى المقال ما يستحق أن نعرض له.

فى بداية مقال الأستاذ العقاد يتساءل عن السبب، هل هى الصحافة، أو التلفزيون أو عصر السرعة، أو المتحررون من القافية والأوزان.

والشعر الذى يعنيه الأستاذ العقاد، يعنى به شيئًا غير الذى يعنيه «المحكمون» التقليديون الذين نصبوا أنفسهم للحكم الفصل فى كل كلام عن الشعر على اختلاف مقاصده وأبوابه، بينما هم فى الواقع أجهل الناس بما يتصدون له.

هذا والذين يقابلون بين أطوار الشعر عندنا فى الأجيال المتأخرة، وبين ما كان عليه، يعللون هبوطه فى الجيل الحاضر ( آنذاك ) بأسباب كثيرة يحاولون أن يجمعوا فيها فيما يرى الأستاذ العقاد كل سبب يخطر على البال، ولو على سبيل المصادفة.

ويرى الأستاذ العقاد أنه متى اجتمعت هذه الأسباب كلها حيثما اتفق فإن سببًا واحدًا منها على الأقل ينبغى أن يكون السبب الصحيح.

هل الصحافة هى المسئولة عن هبوط الشعر بالإعراض عن نشره والتنبيه إليه ؟

هل يرجع هبوط الشعر إلى هبوط الأذواق الفنية بين أبناء الجيل ؟

هل حل غزل «التليفون» محل الشعر القديم فى مساجلات الغرام ؟

هل هبطت بالشعر دعوة بعض الداعين إلى «تحريره» من الوزن والقافية والنغمة الموسيقية ؟

إن هذه الأسباب التى لا ينازع فى أنها تخطر على البال، تبقى من قبيل «الاحتمالات» التى يتجه إليها الذهن، ولكنها لا تغنى فى النهاية فيما يرى عن سبب آخر يخالفها أو يزيد عليها.

على أن ما قد يزيد عليها، ربما لا يقع فيه خلاف.

ولكن تبقى المهمة الرئيسية فى إثبات ما يخالفها إن كان.

يقول الأستاذ العقاد إن الصحافة تستطيع أن تصنع الكثير لنشر الشعر والتنبيه إلى محاسنه، ولكنها لا تستطيع فيما يرى أن تهمـل الشعر زمنًا طويـلاً إذا علمـت أنه «صنف» مطلوب فى السوق، وأنه لو كان لصنف الشعر سوق لما أهملت الصحافة اختياره.

وظنى خلافًا لما ارتآه الأستاذ العقاد آنذاك أن الصحافة، وهى مسئولة ولا شك عن تكوين العقل الجمعى وريادة الثقافة والرأى العام، لا تقتصر واجباتها فى إطار الآداب على مجرد تلبية مطالب السوق، وإنما عليها أن تنهض بدور ريادى وبواجب إيجابى يجاوز مجرد الاستجابه للسوق، أو فى أقل القليل لا تساهم بنشر الغث فى زيادة عوامل وأسباب الهبوط، ونحن نرى الآن، أن صحفًا تنشر ما يُزْعم أنه شعر، وبقالة إنه لشعراء، بينما ما تنشره غثاء لا ينتمى بتاتًا للشعر، فلا فيه معنى، ولا وزن، ولا موسيقى، ولا أى معلم من معالم الشعر، ونرى صحفًا كبرى تصدر بهذا الغثاء الصفحة الأولى لملاحقها الأدبية، وبعضها يسبغ لقب «الشاعر الكبير» على من يكتب هذا اللغو.

ظنى أن الأستاذ العقاد يرحمه الله لو لحق بزماننا، لما اكتفى فى مسألة الصحافة بما قاله سنة 1962، ولكان له فيما يجرى الآن حديث آخر يحمّل الصحافة بكثير من المسئولية عن هبوط مستوى الشعر، هبوطًا يتجاوز بكثير الهبوط الذى أقلق الأستاذ العقاد من ستين عامًا.

ولا يزال الحديث موصولاً.

rattia2@hotmail.com

www. ragai2009.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »