شريف عطية

من أرشيف الذگريات (42)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

كان موقف الدولة لافتا فيما ثار وأثير بفعل البيضانى، فقد تركت الجرائر الضخمة لم تتحرك لحسابه عنها، وتركت المهندس الشريف عبدالرحمن لبيب يخوض معركته التى خضتها معه – بمفرده، بينما بدت وكأنها فرحة مرحبة بما أثاره رئيس اتحاد الإيجيكون الذى انفضح فساده – من اتهامات فاسدة باطلة جائرة على جريدة الوفد التى كشفت ستر ما يجرى من فساد هائل بهذا الاتحاد الذى صار عنوانا – كوظيفته – للصرف الصحى !!

لم يأتنى هذا الشعور من مجرد تحريك الدعوى الجنائية رقم 5333لسنة 1986 جنايات الأزبكية ضد سعيد عبدالخالق محرر باب العصفورة بجريدة الوفد، ومحمد ابن أحمد أبو الفتح مدير اعلانات الجريدة، وفاروق عقل ذرا للرماد فى العيون، وإنما أتانى أيضا من تجاوز القواعد القانونية تجاوزا صارخاً فى إقامة تهمة رشوة فى وجه المحرر سعيد عبدالخالق بزعم أنه موظف عام، وهو ليس موظفا عاما، ولا يجزئ فى ابتداع هذه الصفة أن يقال – وقد للأسف قيل بغير حق : إنه من القائمين على شئون حزب الوفد .. كان ذلك سنة 1986 ، وسعيد عبدالخالق محرر فى مقتبل الطريق، وصارخ الكذب أن يقال إنه من القائمين على شئون حزب الوفد، وأصرخ منه كذبا أن يسبغ عليه أنه نائب رئيس تحرير جريدة حزب الوفد، فلم يكن ذلك صحيحا، وأصرخ منه كذبا أن ينسب إليه أنه بهذه الصفات الكاذبة المزعومة قد طلب لنفسه وأخذ عطية من البيضانى للإخلال بواجبات وظيفته التى لم يتفضل الاتهام المصطنع ببيانها، وأن ذلك كان لوقف الحملة الصحفية بباب العصفورة ضد عبدالرحمن البيضانى واتحاد الإيجيكون الذى يرأسه للصرف الصحى، مع أنه كان الأولى بالدولة أن ترحب بما فضحته هذه الحملة الصحفية من خبايا الفساد الضارب للأعماق فى هذا الاتحاد، وأن تسائل رئيسه وشركاءه فى هذا الفساد الضار بالمال العام وبالمصالح العامة، لا أن تناصر وتتبنى الاتهام الكاذب الذى أشهره فى وجه سعيد عبدالخالق وباب العصفورة وجريدة الوفد – وحزب الوفد بالمرة، للتخويف والإرهاب وللتغطية على مفاسده التى تضمنتها تقارير هيئة الرقابة الإدارية، وأشرت سلفا إلى بعضها !!!

كان من الطبيعى فى إطار هذا النظر المغلوط، أن يأتى عبدالرحمن البيضانى على رأس قائمة الشهود، ولا يفوتك حين تقرأ أقواله أنه هو الساعى، ويدهشك فى روايته التى وسط فيها من وسطه ليطول سعيد عبدالخالق، أن يستبيح قراءة الفاتحة على اتفاق على رشوة يؤثمها الشرع والقانون، وأن الأسلوب الذى اتبعه يدينه قبل أن يدين الساعى إلى الإيقاع به .. يومها رأيت السياسة تريد أن تقتحم ساحة العدالة، وأن المزاعم مضت لأغراض سياسية تعتسف صفات للمحرر الصغير آنذاك، سعيد عبدالخالق، ليست له، وترهق الأمور – لأغراض سياسية – لشد الوفد وجريدته، بينما تركت السياسة المال العام ينتهب ووزيرها الأمين ينتهك .. لقد مضيت يومها فى كل الاتجاهات لأثبت بالأدلة الرسمية أن الصفات التى أضفيت على المحرر الصغير لا وجود لها، وأن نسبته إلى الوظائف العامة لا أساس لها، وكان ختام ما أنجزته وأحضرته من وثائق تثبت أنه مجرد عضو فى لجنة الحزب بالقاهرة، ولا يحتل أى موقع قيادى فى الحزب أو الجريدة، شهادة رسمية حصلت عليها من مجلس الشورى تشهد بأن : “ حزب الوفد لا يصرف من أى دعم للحزب أو لجريدة الوفد “ ، ووافانى الزميل العزيز الأستاذ عبدالعزيز محمد المحامى الوفدى الكبير بحافظة قدمتها نيابة عنه لمرضه ـ مليئة بكنوز تنسف التصور العضوى الذى أقيم عليه الاتهام المغلوط، مشفوعة بخطاب قصير لازلت أحتفظ به بخط زميلى الحبيب، يقول فيه .. “ المناضل الكبير … والمدافع الباسل عن المظلومين والمضطهدين ..أحييك . فى انتظار أى أوامر أو تعليمات . أيها القائد الباسل، وقد أرسلت نسخة إلى الأستاذ الدكتور محمود مصطفى . ولك تحياتى وتمنياتى “.

لقد كانت مناقشتنا لعبد الرحمن البيضانى فى ساحة المحكمة، فرصة هائلة لإهالة التراب على أكاذيب ومفتريات كشفناها، ثم كان من الطبيعى، بعد سماع الشهود وتهيئة الدعوى لسماع المرافعات، أن يتقدمنا أستاذنا الجليل الدكتور محمود مصطفى، وقد ألقى ببحث قانونى رائع، لازلت أحتفظ بمذكرته فيه، ثم تبعته فى اليوم التالى بمرافعة قلت فى مستهلها إن البيضانى هيأ له شيطانه أن يهتبل منافسات السياسة ليلعب على أوتارها، فيخطط حماية لأطماعه، وسترا لأوزاره، لضرب من يستطيع، وتخويف وإرهاب من لم يستطع .. حتى إذا ما وجد المتلقفين لأباطيله لاهين بها وبالقضمة المرتقبة ضد الحزب المعارض ـ عن أحابيله وأضاليله، لم يجد بأسا فى أن يخطط ويدبر ليضرب بذات الحجر الواحد وزيرًا أمينًا .. مادام عفيفًا لا يُشْترى، مستقيما لا يلتوى، صلبا لا يلين، شريفا لا ينحرف .. فكان ما رأينا ورأيتم من صرح الأباطيل والأضاليل، تلقاها عنه هواة الأسمار والأغراض، فكان قبض الريح، وحصاد الهشيم !!!

لا أكاد أطل على هذه الدعوى إلا وتحضرنى كلمات شيخنا شيخ المحاماة مكرم عبيد . حين ترافع فقال إن السياسة والعدالة ضدان لا يجتمعان، وإذا اجتمعا لا يتمازجان، والواقع أنهما مختلفان فى الطبيعة وفى الوسيلة وفى الغرض، فالعدالة من روح الله . والسياسة من صنع الإنسان، السياسة توازن بين شتى الاعتبارات، والعدالة تزن الأمور بالقسطاس .

لا يستطيع مصرى سادتى المستشارين، أن يطل على هذه الدعوى، إلا ويلم بقلبه غُصَص، فكيف نفسر أن يتقول ويجدف عبدالرحمن البيضانى فى حق سعيد عبدالخالق . وهو فى العقد الثالث من عمره .. صحفى شأنه شأن المئات من الصحفيين، فتقوم الدولة ولا تقعد لمناصرة البيضانى فى الضرب فى الصحفى الذى كشف فساد ما يتولاه فى اتحاد الأيجيكون المعهود إليه بشبكة الصرف الصحى فى القاهرة الكبرى، بينما يجدف فى حق وزير يشغل كرسى الوزارة، ويخوض فيه خوضاً ثقيلاً .. فلا تبالى الدولة، ولا ينتفض ضمير ولا تثور نفس، ويسلخ التحقيق إلى قسمين، فيسير فى جانب منه سير السلحفاة، فيما كان يجب أن يساءل عنه البيضانى وكشفه وزير الإسكان، ويجرى جرى الصاروخ وراء سعيد عبدالخالق الذى يحسب له على الأقل كشفه لجرائم اغتيال المال العام .

كان هناك تقارير متتالية من الرقابة الإدارية اعتباراً من 6/1/1986 ، ومكاتبات بين رؤساء الوزارة وبين وزير الإسكان والنيابة الإدارية وجهاز المحاسبات، لتعقب الفساد المفسد والفساد المستشرى، والمال العام المضيع، ومع هذا لم تكف كل هذه التقارير الكاشفة عن جرائم المال العام لتحريك السواكن، وإنما يمضى الاستهداف فى اتجاه واحد لضرب حزب معارض، مشغولا بغايته ومأربه الوحيد الذى رصدناه وكشفناه !!!

إمبراطورية البيضانى

هذه الإشاحة المعيبة المغلوطة، التى لا يمكن أن يراها مصرى إلاِّ وينزف قلبه دماً، تحدثت عنها التقارير وتحدث الأوراق، وكشفت أن عبدالرحمن البيضانى قد أقام بالفعل إمبراطورية لحسابه الشخصى للصرف الصحى، وأن الجشع والنّهم ـ قد سوّلا الاغتراف من المال العام اغترافاً، وأن تصل عمولته إلى ستة ملايين ونصف مليون، بخلاف المرتبات التى وصلت إلى ربع مليون . ومع ذلك لا يشبع الجشع ولا يرتوى، وإنما يمضى مضى المستغفل لكل من حوله، ليعين أقاربه فى ثلاث وظائف، وتغدو المرتبات فى مجموعها للواحد ما يزيد عن خمسة آلاف جنيه شهريا، ويبلغ من جبروته ونفوذه الذى تحدثت عنه تلك التقارير، أن يزيح عن المنصب رئيساً سابقاً لجهاز الصرف الصحى، وأن ينصب من نفسه متحكماً يدير أمور الدولة فى شقها هذا على هواه !!

تحدثنا الأوراق عن كل هذا، وتحدثنا بأمر آخر . أن وزير الإسكان، وأدعوا الله أن يمنحه الصبر، يخوض معركته متضافراً مع الأجهزة الرقابية يسعى لحماية المال العام من هذا الغول ومن ذاك الاغتيال .. كل هذه الحقائق تنطق بها المستندات التى فى حوزة التحقيق . وهى كافية لاستخلاص أبسط البسطاء، أن افتراء عبدالرحمن البيضانى فى حق وزير الإسكان لا يمكن أن يعقله عاقل، ولا أن يصدقه بشر، ليس فقط لما يحمله وراءه عبدالرحمن لبيب من تاريخ عريض وسجل نظيف فى الشرف والأمانة، وإنما لأن المنطق فى المقام الأول لا يمكن أن يقبله عقل، فقد انكشف أن وزير الإسكان كان ماضياً مضيا حثيثا بالتعانق مع جميع الأجهزة، ومع رئيس الوزراء ومع الرقابة الإدارية، لضبط عبدالرحمن البيضانى ووقف التعامل معه فى الضفة الشرقية، وتنحيته تماماً عن الضفة الغربية للقاهرة الكبرى ! فإذا كانت تلك الحقيقة متبدية تحدث بأمرها وتكشف للمطالع سرها، فلماذا إذاً حتى هذه اللحظة، التى أتحدث فيها متشرفاً فى محراب عدلكم، لا يتخذ قرار فى قضية الاتهام المغلوط، الذى نسب إلى عبدالرحمن لبيب ؟ !.. ناهيك بالجرائر الكبرى التى انكشف بها ستر هذا الاتحاد الفاسد للصرف الصحى !!

هى إذن أغراض السياسة قد داخلت العدالة . أريد لجانب هذا التحقيق أن يسير سير السلحفاة، حتى يقدم سعيد عبدالخالق وسط الضجة المرسومة، ليقع القصاص السياسى، بعيداً عما يمكن أن يعكر صفوه .. حتى إذا ما فرغ من سعيد عبدالخالق ومن حزب الوفد . ترتد الانتظار مرة أخرى – إذا ارتدت -إلى هذا التحقيق المهمل، والذى أبطئ به .. كيما يجرى حساب من تغولوا على المال العام !!

لا أقول هذا لأنه محض أدبيات، تطرح فى استشراف طريقنا فى معرض الدفاع، لا، ليس هذا يا سادتى المستشارين محض أدبيات، وإنما هو عصب الدعوى المهيمن والمسيطر على كل سطر من سطورها، وهو هو الذى قاد الإجراءات إلى ما تهاوت فيه من بطلان .. وهو هو الذى انزلق بها فى تنفيذها إلى ما تردت فيه من بطلان .. وهو هو الذى قاد الدعوى إلى اعتساف صفة مصطنعة مخترعة لا تقتضيها قط مقتضيات التجريم الصحيحة، وإنما من أسف اقتضتها مجريات السياسة !!!

هذا هو مفتاح فى الدعوى، إن الصفة المعتسفة لسعيد عبدالخالق، والزج بقانون الأحزاب، والزج بالقيام على شئون حزب الوفد، لم يكن موافقاً فى جوهره لمقتضيات التجريم والتوصيف القانونى كما عرفناه .. وإنما كان هذا خدمة لأغراض السياسة، كيما يبدو الوفد متهماً على الساحة، وكيما يترك المتهم الحقيقى لحين . حتى يفرغ من تصفية الحساب فترتد الأعناق الملوية إلى حيث كان يجب أن تلتفت من البداية !!!

ليس فى وسعى ولا يتسع المجال، أن أنقل للقارئ هذه المرافعة الطويلة التى استغرقت يومين كاملين، وقد نشرتهاجريدة الوفد كاملة بعدديها 10 ، 11 أبريل 1987 لمن يحب المتابعة، ولكنى أحب أن اذكر للقارئ أن محكمة الجنايات وأمن الدولة العليا برئاسة المستشار فتحى رياض رزق الله وعضوية المستشارين نبيل أسمر ونهاد خلاف، أصدرت حكمها بجلسة 7 يونيو 1987 ، ببراءة جميع المتهمين، وورد فما ورد بأسباب الحكم الضافى التى أشفعتها يومها بالمنطوق، أنه قد ثبت للمحكمة من خلال فحص الأوراق وقراءة القضية على مدى شهرين كاملين، أن سعيد عبدالخالق لم يطلب فى أية مرحلة مبلغ الرشوة، وأن الحقيبة التى بها مائة ألف جنيه قد ألقيت عليه داخل سيارته، وأنه بمجرد إلقائها ألقى القبض عليه، مما ينفى التسليم والتسلم الإرادى أو الفعلى أو الحقيقى، فكان الحكم بالبراءة الذى نشرت الصحف حيثياته يوم 8/6/1987.

شارك الخبر مع أصدقائك