رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (62)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

إعادة القراءة الآن، فى كتاب حافظ إسماعيل «أمن مصر القومى فى عصر التحديات» والذى كانت قراءة مسودته الأولى 1986 تجدد الإحساس بالذنب تجاه مسارعتنا فى عام 1972 وحتى 6 أكتوبر 1973 للتشكك فى نوايا السادات، فلم يكن كل ما يجرى آنذاك وراء الكواليس معلوما لنا، وكنا نجهل كثيرا مما تلاقيه مصر ويلاقيه السادات من صعاب لتحرير أراضينا التى احتلت فى ستة أيام سوداء من يونيو 1967.. كان معظم جبل الجليد خافيا تحت الماء.. لم تفلح زيارة رئيس الوزراء عزيز صدقى لموسكو فى 13 يوليو 1972، فى إصدار بيان مشترك يحتوى إنهاء مهمة الخبراء والمستشارين السوفييت فى مصر فى شكل بدا وكأنه طرد، ربما ألجأ السادات إليه اضطراره لأحداث «صدمة» بعدما أحبطه ما جاء برسالة بريجنيف التى نقلها السفير الروسى فينوجرادف فى 8 يوليو.. أخفقت زيارة عزيز صدقى فى تخفيف المرارة لدى السوفييت، ولم ينجح فى الاتفاق على شراء بعض المعدات الموجودة فى مصر مع القوات السوفييتية قبل رحيلها، وأصر الرئيس الروسى على سحب الأسلحة مع الوحدات، وأبدى أنه مع ثقته فى الرئيس كوطنى مخلص شارك فى الثورة المصرية، إلاَّ أنه يرى ارتباط القرار المصرى بما يستهدفه «اليمين» من هدم الصداقة المصرية السوفييتية، وأن أعداء مصر المتحررة هم إسرائيل والولايات المتحدة والرجعية الداخلية.

وفى 16 يوليو أبلغت القوات المسلحة بقرار الرئيس، وفى أول أغسطس توقف السوفييت عن ممارسة أى عمل عسكرى، وقبل نهاية أغسطس كان قد تم رحيل المستشارين والخبراء والوحدات المقاتلة والعائلات، لتنتهى بذلك مرحلة فى علاقات مصر والاتحاد السوفييتى وفى تاريخ الشرق الأوسط.

ومع ذلك فقد تواصلت اتصالات الزعماء السوفييت بالسادات، واستجابوا فى النهاية لطلب التشاور «على مستوى عال» وعن استعدادهم لاستقبال الدكتور صدقى للإعداد لهذا اللقاء، وبعدها بشهر أرسل إليهم السادات رسالة مطولة، استهلها ببيان أن الهدف من رسالته هو الخروج من الدائرة المفرغة التى تجتازها علاقات البلدين وتتسم بسوء الفهم، وتناولت الرسالة عرضا مسهبا للعلاقات والأسس التى تقوم عليها، والأهداف التى تتطلع مصر لتحقيقها، مشيرة إلى أن رسالة الاتحاد السوفييتى فى 8 يوليو كانت مخيبة للآمال مما استلزم «وقفة». و«كأصدقاء»، لنبدأ مرحلة جديدة بفهم جديد وتقدير جديد وتحديد لموقفنا. ثم اشارت الرسالة إلى تاريخ 31 أكتوبر السابق تحديده لاستكمال احتياجات قواتنا كتاريخ فاصل حتى نكون على استعداد فور انتهاء الانتخابات الأمريكية للتصدى لمحاولة فرض حل لمصلحة اسرائيل، مع استعداد مصر لإيفاد الدكتور عزيز صدقى إلى موسكو للإعداد للقاء قمة مصرى سوفييتى، وجاءت الإجابة عبر الرئيس حافظ الأسد، فى نهاية سبتمبر، بالموافقة على زيارة صدقى لموسكو اعتبارا من 16 أكتوبر.

وفى انتظار الزيارة، أراد السوفييت إزالة سوء التفاهم حول عدد من المسائل بتوضيح مواقفهم منها، والحصول على تفسيرنا لبعض نقاط الاحتكاك.

وفى التلقين الذى أعطاه الرئيس السادات للدكتور صدقى، طلب منه أن يتخذ موقفا حاسما، وألا يستجيب لمناقشة حول قرار يوليو، مع التركيز على ضرورة شن عملية عسكرية لتحرير أرضنا، مما يتطلب توفير قدرات قتالية لهذا الغرض تتضمن سلاح الردع اللازم والضرورى لقواتنا الجوية.

وبين 16، 18 أكتوبر، تمت زيارة رئيس الوزراء لموسكو، واقتصرت اجتماعاته على الرئيس بادجورنى ورئيس الوزراء كاسيجين، وانتهت ببيان مشترك تضمن إقرار السوفييت بحق الدول العربية فى تحرير أراضيها «بمختلف الوسائل» والتزام السوفييت بالعمل على تحقيق الانسحاب الكامل من الأراضى العربية المحتلة، وتأمين حقوق الشعب الفلسطينى، وتقرر إمدادنا بالآتى: 16 طائرة ميج 23 مع توريد الربع الثالث 1973، 16 طائرة سوخوى20 وتوريد الربع الثالث 1973، ولواء صواريخ أرض/أرض سكود، مداها 300 كم.

وكان تقدير عزيز صدقى أن الزيارة حققت أهدافها، وأن ذلك سيتأكد فى اجتماع القمة، بيد أن تقييم الرئيس السادات جاء مخالفًا لرأى الدكتور صدقى، فقد تجنب السوفييت اتخاذ قرار بمساواة مصر بإسرائيل فى التسليح، وحددوا توقيت توريد الأسلحة على نحو يعكس أملهم فى التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. وهكذا بدأ حدوث تراجع فى علاقات التحالف بين البلدين.

قرار بالحرب

كان هذا هو عنوان الباب الرابع لكتاب حافظ إسماعيل، صدره بعبارة عبد الناصر: «إن ما أخذ بالقوة، لا يسترد بغير القوة» واستهله بعرض تقدير السادات للموقف، أنه بالتوازى مع العمل على استقرار علاقات مصر والاتحاد السوفييتى، يجب الاستعداد لمواجهة الموقف على احتمالين فتحهما القرار المصرى: إما تحقيق تسوية سياسية مقبولة، وإما الحرب.

وأصدر السادات تكليفًا لحافظ إسماعيل بإعداد الدراسات اللازمة حول موقفنا السياسى، بينما أمر الفريق صادق بأن تكون القوات جاهزة للقتال اعتبارا من 15 نوفمبر 1972، مع اتخاذ الاستعدادات عن طريق سيد مرعى وممدوح سالم وزير الداخلية لإعداد الجبهة الداخلية لخوض الحرب.

وحدث ما توقعه السادات بشأن رد فعل الأمريكان، ففى26 يوليو بعث الدكتور هنرى كيسنجر مستشار الرئيس الأمريكى، برسالة عبر القنوات الخاصة، تلقاها اللواء أحمد إسماعيل رئيس المخابرات العامة، ليبلغها السادات. وتضمنت دعوتنا لمحادثات سرية على مستوى عال حول قضية الشرق الأوسط.

وتخللت فترة ما قبل المحادثات، تحقيق «وحدة اندماجية» مع ليبيا، التى صارت أكثر الدول العربية تأهيلاً لتلعب دوراً فى الحياة السياسية المصرية، ولكن تم فى النهاية الاتفاق على الإعلان عن هذه الوحدة فى أول سبتمبر 1973.

يرى حافظ، أن مصر كانت تحتل مركز الصدارة بالنسبة لأهداف الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط، ليس فقط لثقل مصر وقدر نفوذها فى العالم العربى، ولكن أيضاً لأنها «مركز الثقل» فى المواجهة مع إسرائيل ومحور الوجود السوفيتى السياسى والعسكرى فى الشرق الأوسط، ولكن الولايات المتحدة فيما يبدو لم تكن على استعداد للتباحث الموضوعى مع مصر طالما كانت مدعمة بوجود قوات مقاتلة سوفيتية. وعلى هذا ظلت مشكلة الشرق الأوسط تحتل مرتبة ثانوية على مدار أربعة أعوام. ولذلك لم يكن غريباً فى تقدير حافظ إسماعيل أن يبادر الدكتور كيسنجر الآن بالاتصال بمصر سيما بعد الاقتراب من تسوية للحرب فى جنوب شرق آسيا «لتحقيق تسوية سلمية فى الشرق الأوسط».

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة قرار الرئيس السادات بتعيين الدكتور محمد حسن الزيات وزيراً للخارجية خلفاً للدكتور مراد غالب.

كانت الرسالة الأمريكية تعنى أن قضية الشرق الأوسط أضحت تحظى باهتمام خاص، وتعنى اهتمام واشنطن بملء الفراغ الناجم عن تراجع العلاقات المصرية السوفيتية، وتشجيع مصر على إنهاء علاقاتها الخاصة بموسكو، وعلى إمكانية التوصل لتسوية سياسية للنزاع تحت «المظلة الأمريكية».

ومع ذلك أشارت التقارير الواردة إلى عدم توقع تحرك أمريكى جاد قبل يناير / فبراير 1973، بعد تولى الإدارة الجديدة مهامها. كما كانت هذه التقارير تدعوا إلى عدم الإفراط فى التفاؤل بإمكان حدوث تغييرات مهمة فى السياسة الأمريكية، وأكدت لندن ذلك، وأضافت أن تأجيل المبادرة الأمريكية مرجح انتظاراً لما سوف تسفر عنه الأحداث الداخلية فى مصر.

ومع إبداء السادات موافقته فى 5 سبتمبر على الاتصال بالدكتور كيسنجر للإعراب عن قبولنا المبادرة، فإنه بعث رسالة عن طريق حافظ إسماعيل للمستشار الأمريكى تضمنت مع تقديرنا للمبادرة، الإعراب عن شكوكنا حول طبيعة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، ومخاوفنا من تأثير الضغوط الصهيونية على الموقف الأمريكى، وأكد حافظ إسماعيل فى رسالته إلى كيسنجر، أن أساس المناقشة هو القرار 242، وأن موضوع الأرض لا نقاش فيه.

وفى نفس الوقت، حافظت مصر على طريق الأمم المتحدة مفتوحاً، فتم إبلاغ السكرتير العام وممثله الشخصى، أننا على استعداد للتباحث مع الدكتور يارنج من جديد، كما طلبنا من السكرتير العام إبلاغ ما تقدم إلى الدول الخمس الدائمة العضوية بمجلس الأمن.

وفى الوقت الذى كانت مصر تفكر فى منتصف سبتمبر فى فكرة عقد «مؤتمر السلام للشرق الأوسط» تحقق ما كانت مصر تخشاه فى الموقف الأمريكى، فجاءت رسالة كيسنجر فى 29 سبتمبر باعثة على الشك فى نواياه. إذ أصر على:

(1) أن تبدأ المباحثات دون شروط مسبقة.

(2) أن هدف الخطوة الأولى هو تحديد ما يمكن تحقيقه «عملياً».

(3) أن يتم تحقيق التقدم داخل إطار قرار مجلس الأمن 242.

كما كان محيرا، فيما يورد حافظ إسماعيل، أن تستأنف الخارجية الأمريكية اتصالاتها بنا قبيل زيارة الدكتور عزيز صدقى الثانية لموسكو، فتعيد طرح مشروعها لاتفاقية مرحلية على أساس النقاط الست، محورها إعادة فتح قناة السويس.

ثم فى رسالتها 7 نوفمبر، بعد زيارة صدقى لموسكو، بدأ طرح الخارجية الأمريكية متطورا نحو مزيد من التشدد، مرددة مسئولية الأطراف المعنية عن البحث عن حل ينبعث من المنطقة، وتأكيد عدم استعداد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل.

يضيف حافظ إسماعيل، أنه إزداء ذلك توقفت اتصالاتنا مع الخارجية الأمريكية، وشرع حافظ بمشاركة شخصيات سياسية وقانونية، ودبلوماسيين بارزين، فى عمل دراسات موسعة للمواقف المصرية والاختيارات المختلفة، وخرج من مناقشاته والدراسات التى أعدت، بمبادئ يجب أن تحكم موقفنا التفاوضى:

(1) أن تتم تسوية عربية بالتوازى مع تسوية مصرية.

(2) أن تكون التسوية المصرية نهائية وتتضمن:

إعلاناً بالنوايا حول خط انسحاب نهائى خلال مدة معينة.

القبول بانسحاب جزئى «كمقدمة للسلام»، وفى إطار الإعلان السابق.

إعادة فتح القناة للملاحة عالمياً فى توقيت يحدد لهذا الغرض.

عقد مؤتمر سلام لوضع اتفاق سلام نهائى على أساس إعلان النوايا.

(3) ضمانات امن تكون ذات طابع دولى ومتوازن ومؤقت.

(4) وجوب أن تتضمن مقدمات السلام، التخلى الأمريكى عن الدعم الكامل لإسرائيل ووقف الإجراءات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة.

(5) تحقيق التوازن فى علاقات القوى الكبرى بدول المنطقة، وذلك فى ظروف تأمين السلام النهائى.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك