رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (61)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

جاءت قمة موسكو، خلال الأسبوع الأخير من مايو عام «1972»، مخيبة للآمال بالنسبة للقضية العربية، فقد تمخضت اجتماعات السوفييت والأمريكان، عن اتفاق على الحد من الأسلحة الاستراتيجية، أما مشكلة الشرق الأوسط فقد شغلت مكاناً متواضعاً عكس عدم اهتمام الأمريكيين بتناولها باهتمام. ولم يزد البيان الختامى على التأكيد على نقاط قرار مجلس الأمن 242، وسجلت الولايات المتحدة رأيها بعقد مفاوضات مباشرة «فى مرحلة ما»، بينما لم يزد الاتحاد السوفييتى على تسجيل ضرورة حل مشكلة اللاجئين!

وبدا من المسار أن السوفييت يفسحون الطريق لنجاح نيكسون فى الانتخابات القادمة ليستكملوا معه ما بدأوه من اتفاقات، أهمها لدى السوفييت تسوية فى فيتنام، ومن ثم تعثرت قضية الشرق الأوسط.

وأثار شكوك السادات، تعبير «تأمين الاسترخاء» الذى ورد فى البيان الختامى، واستقر الرأى، قطعاً للشك باليقين فيما يقول حافظ إسماعيل، على إيفاد الفريق صادق إلى موسكو فى الأسبوع الثانى من يونيو حاملاً رسالة من الرئيس السادات عبر فى نهايتها عن خشيته من أن يترتب على تأخير معركتنا أن تعزز إسرائيل مراكزها فى الأراضى المحتلة! وطلب فى النهاية الإسراع بتوريد الأسلحة المتفق عليها فى مايو الماضى.

وردد بريجنيف فى اجتماعه مع صادق، ذات ما يجرى إبداء الحرص عليه عن طرد العدو والتنسيق المشترك فى المحافل الدولية لتنفيذ القرار 242، وعدم قبول ما تعرضه إسرائيل من حلول، وأن تحرير الأرض يتطلب بناء جيش هجومى ولكن المهم التأكيد على أنه سيحارب، «فقد لا يحارب بعد هذا كله»؟!!! وختاماً أهمية الإبقاء على المستشارين السوفييت لاعتبارات دولية.

وخرج صادق من زيارته بانطباع اهتمام السوفييت بالجبهة الداخلية فى مصر، ورغبتهم فى تهدئة الموقف إلى ما بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، واتجاههم للمماطلة فى إمدادنا بالتسليح بأمل الوصول إلى تسوية سياسية!!

وهكذا كان الحصاد مقدمة لتفجير الموقف فى أوائل يوليو، وبلغنا نحن والسوفييت نقطة حرجة!

يعلق حافظ إسماعيل، بأن من العوامل التى فجرت الخلاف المصرى السوفييتى، المناورات الأمريكية التى استهدفت تأكيد «عجز» السوفييت عن تحقيق تسوية سياسية «وانفراد» الولايات المتحدة بالقدرة على التأثير فى الموقف.

وعاد سيسكو ليطرح مجدداً المبادئ التى تحكم بلاده، مردداً تأييد أمريكا للتسوية السياسية، وأنه ليس بمقدور القوتين الأعظم إحداث تغييرات جذرية في الموقف، وأن الوسيلة العملية هى إبرام اتفاقية مرحلية حول قناة السويس، واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين مصر والولايات المتحدة، واستعداد الولايات المتحدة، حتى فى عام إنتخابات الرئاسة، للقيام بدور لاتفاق مؤقت بشأن قناة السويس.

اقرأ أيضا  جمال عبد الناصر .. تفكير بعد خمسين سنة ..

وفى 26 يونيو بعث نيكسون برسالة للسادات حرص فيها على خلق الانطباع القوى بالمكان المتواضع الذى احتلته مشكلة الشرق الأوسط فى مباحثات موسكو، وزاد بتأكيد حرص القوتين الأعظم على منع النزاع فى أى منطقة فى العالم من أن يتطور إلى مواجهة بينهما.

يروى حافظ، أن رد السادات على نيكسون جاء عنيفاً، تضمن بصفة خاصة:

(1) ضرورة التصفية النهائية لبؤر العدوان والاغتصاب، وتحقيق العدالة وتأمين الحقوق المشروعة للشعوب.

(2) أن تكريس الأمر الواقع لا يسهم في تحقيق السلام.. وغير مقبول.

(3) أن السلام لا يتجزأ، ومشكلات العالم مترابطة.

(4) التنويه إلى مسئولية الولايات المتحدة عن استمرار العدوان الإسرائيلى الجاثم على أراضى الشعوب العربية.

(5) أن قضيتنا تحل فى اهتمامنا الأسبقية على كل ما عداها، وأن شعوبنا عازمة على استخلاص أراضيها وحقوقها، وسوف تمارس حريتها فى الاختيار واثقة فى أنها بإرادتها سوف تنتصر فى النهاية.

●●●

ولكن الولايات المتحدة واصلت جهودها من أجل «فك الارتباط» المصرى السوفييتى! وصارت الأمور تقترب بسرعة من الصدام.

فى 5 يوليو إجتمع حافظ إسماعيل بالرئيس السادات، الذى تحدث عن اتجاهه حتى نهاية أكتوبر، قبيل الانتخابات الأمريكية لمطالبة السوفييت بالقوة الجوية المطلوبة وأنهم إن لم يستجيبوا فسوف يطلب منهم سحب المستشارين والخبراء العسكريين وإنهاء التسهيلات فى الموانئ والمطارات المصرية. فأعرب له حافظ فيما يروى عن تقديره خطورة هذا الإجراء الذى يخل بالتوازن فى المنطقة، طالما استمر الاحتلال الإسرائيلى مدعماً بالقوة الأمريكية.

وفى 6 يوليو طلب السفير السوفييتى لقاء الرئيس السادات لتسليم رسالة جاءته من القيادة السوفييتية، وفى 8 يوليو استدعى السفير للاجتماع بالرئيس فى المساء، وفى هذا الإجتماع الذى عقد بقصر الطاهرة وحضره حافظ إسماعيل، قدم السفير فينو جرادوف رسالة الرفيق بريجنيف، وتضمنت تفاصيل مباحثاته فى موسكو مع الرئيس الأمريكى، وعدداً من النقاط المتصلة بالعلاقات المصرية السوفييتية والجبهة الداخلية فى مصر، مشيراً إلى إنطباعه بأن الرئيس نيكسون يدرك الخطر الذى يهدد الولايات المتحدة نفسها نتيجة النهج العدوانى للسياسة الإسرائيلية، وإعتراف أمريكا بالقرار 242 أساساً للتسوية، والحاجة للتشاور بين مصر والإتحاد السوفييتى حول خطوات إضافية، ثم انتقل بريجنيف إلى الأوضاع الداخلية بمصر، ومنها:

اقرأ أيضا  الانتخابات الأميركية تدور فى إسرائيل.. والعكس

● الشائعات والتلفيقات التى تنشرها دوائر مصرية معينة حول سياسة السوفييت فى الشرق الأوسط، وتصويره أنه يكاد يتواطأ مع الولايات المتحدة حول قضايا المنطقة.

● أنه بعد بناء القوات المسلحة «الدفاعية» لمصر، يبدأ تسليح الجيش للقيام بمهام التعرض، وهو الهدف الذى تخدمه شحنات الأسلحة الجديدة! وأن السوفييت سيستمرون فى تقديم المساعدات العسكرية الشاملة «لمصر الصديقة».

● الدعوة إلى تقوية الروح المعنوية، والاهتمام بتدريب الطيارين ورجال الدبابات.

● تقديره للإجراءات التى تحد من نشاط القوى اليمينية فى مصر.

وبدا جلياً أن السادات صُدم من الرسالة السوفييتية، فجاء رده معبراً عن ذلك، وأبدى أنه يجد نفسه مضطراً مرة أخرى للشكوى حول عدم توريد الأسلحة التى تم التعاقد عليها فى مايو، وأضاف أنه يبدو أن الاتحاد السوفييتى لا يتفق والقيادة المصرية، وأنه فشل فى تقدير الموقف، وأنه بينما تهتم مصر بالحفاظ على الصداقة مع السوفييت، إلاَّ أنها لن تقبل الخضوع لوصاية أحد، واستطرد السادات محدداً قراراته فيما يلى:

(1) رفض رسالة القادة السوفييت شكلاً وموضوعاً، ورفض هذا الاسلوب فى التعامل.

(2) شكر الاتحاد السوفييتى على المساعدات التى قدمها العسكريون السوفييت، وأنه يريد إنهاء خدماتهم اعتباراً من 17 يوليو 1972.

(3) أن الأسلحة السوفييتية الموجودة فى مصر، إما أن تباع لنا ويتدرب عليها المصريون أو يجرى سحبها.

(4) أن القوات السوفييتية التى تبقى، توضع تحت القيادة المصرية إلى أن يتم تدريب المصريين على معداتها.. أو تُسحب.

(5) الفنيون الذين قدموا لأغراض التدريب يبقون فى عملهم.

(6) إجراء مباحثات على مستوى عالٍ بين البلدين طبقاً لمعاهدة الصداقة والتعاون.

حاول السفير السوفييتى إحتواء الموقف قبل أن ينصرف، بقوله إنه يعتبر خطاب بريجنيف رسالة مؤقتة، وأن الاتحاد السوفييتى له مطلق الثقة فى القيادة المصرية، ولهذا فإن قرارات الرئيس السادات تعنى أنه يصدق الإدعاءات التى ينشرها الأمريكان بأن الإتحاد السوفييتى قد غير سياسته تجاه مصر.

●●●

بدا من العبارة التى ختم بها حافظ إسماعيل هذا المشهد، أنه فوجئ شخصياً بقرار السادات، وعقب تحت عنوان «قرار الرئيس فى الميزان» عقب بقول إسن هذا القرار، وخاصة من حيث توقيته وأسلوبه فضلاً عن مضمونه كان له وقع شديد فى دائرة المسئولين الذين استدعاهم الرئيس لإبلاغهم به، وكانت المفاجأة تامة.. وكان التساؤل الأول يدور حول النتائج التى يمكن أن تترتب على هذه الخطوة.

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (59)

يضيف حافظ إسماعيل أنه أراد أن يستطلع رأى الدكتور محمود فوزى، وكان تقييمه «أن الرئيس «يمر بأزمة» وأن علينا مساندته، مع استعدادنا لكى نقول له بود ووضوح ما نريد».

وانتهز حافظ فرصة لقائه بالسادات بعد أيام فى استراحته بالقناطر الخيرية، ففتح الموضوع بادئاً برجاء للرئيس ألاَّ يستاء من مواقف ربما بدت سلبية، فلا أحد من معاونيه يريد سلطة، فلديهم ما يفيض منها. وأضاف أن مناقشة القرارات الكبرى قبل اتخاذها إنما يسمح للمسئولين من معاونيه بالتعرف عليها وتقييمها وردود أفعالها فى مختلف المجالات، حتى إذا ما اتخذ قراره، وجد المعاونة فى وسائل تنفيذه وتنسيق الاعتبارات فى خدمة تحقيق أهدافه.

أضاف حافظ: «ولم يناقشنى الرئيس فيما قلت. لقد استمع فى صبر، ولم يكن يعتبر نفسه مطالبًا بتفسير. لقد كان يمارس سلطاته. كان القرار خطوة اتخذها الرئيس عملاً بسلطاته داخل دائرة ضيقة جداً من مستشاريه، ربما لم تتجاوز الدكتور فوزى والفريق صادق. إلاَّ أن أسلوب تطبيقه كان من اختيار الرئيس بحيث يحدث «صدمة» للاتحاد السوفييتى ترغمه على إعادة تقدير حساباته».

كان من الصعب فيما يبدى حافظ إسماعيل حتى على أكثر العارفين بشئون السوفييت، تقدير ردود فعلهم بالنسبة لقرار يعتبر مهيناً من ناحية الشكل على الأقل.. واستفزازياً، كما أنه يؤذى سمعة الإتحاد السوفييتى، وقد يعتبره البعض مثلاً يُحتذى، ولهذا كان تقدير حافظ أن السوفييت سيعملون سريعاً على «تطويق» آثار هذا القرار وحصرها، إلاَّ أن ما خشيه امتداد آثاره بالنسبة للمستقبل لما يعرفه من أن الرجل الروسى لا ينسى الإساءة، وكان لابد لمعرفة الآثار من انتظار زيارتى الدكتور عزيز صدقى ما بين يوليو وأكتوبر.

أما الرأى الشخصى لحافظ إسماعيل فكتبه بعبارة واضحة تقول: «ومع ذلك، فمنذ اللحظة الأولى لم أكن اعتقد أن القرار يسهم فى تحقيق أهداف مصر بإزالة آثار العدوان. فقد كان يترتب عليه فى تقديرى الإخلال بالتوازن وأن بصفة مؤقتة على جبهة الدفاع المصرية، إلى أن يستقر النظام الدفاعى المصرى الجديد. ولكن النتائج الأخطر كانت متوقفة فى المدى المتوسط.. إذا ما تثاقل السوفييت فى إمداد قواتنا باحتياجاتها، مما يترتب عليه تآكل قدراتها القتالية»!!!

( يتبع)

 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »