رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (60)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تسبب الموقف الذى خلقه الفريق صادق، فى تداعيات سلبية على معطيات الإعداد للمعركة الجارى التجهيز لها على قدم وساق، وبملاحقة من الرأى العام الذى طفق يتهم القيادة السياسية بالتخاذل فى القيام بالمعركة.. من هذه التداعيات السلبية:

1- تعطيل برنامج تسليح قواتنا المسلحة وفقا لاتفاقية فبراير 1972، وتسبب ذلك فى خلل بنظام الدفاع الجوى الذى كان مطلوبا تقويته لصد هجوم الطيران الإسرائيلى فى العمق المصرى، كما أجل بالتبعية دعم الدفاع الجوى السورى الذى كان دعمه مطلبا ملحاً لتستطيع طائراتنا أن تستخدم القواعد الجوية السورية فى ضرب العمق الإسرائيلى.

2- خَلَقَ موقف صادق، على المستوى السياسى، توترا فى العلاقات المصرية السوفيتية، ودفع إلى العلن ما جاهد الجانبان من أجل تجاوزه.

3- وأفسح المجال على المستوى الدولى لردود فعل واسعة النطاق لم يكن أحد على استعداد لتقييمها وحساب انعكاستها على موقفنا.

على أنه كان لموقف الفريق صادق الذى تخطى إلى صميم اختصاصات الرئيس السياسية، بعدٌ آخر على علاقاته بالسادات.. لم يكن أمام السادات، فيما يروى لنا حافظ إسماعيل سوى خيارين:

الأول- أن يوافق على الإجراءات التى اتخذها وزير الحربية، وذلك يتضمن قبول التسليم فى سلطته السياسية، والتسليم لصادق برصيد سياسى كان مؤداه أن موقفه يبدو مستجيبا لرأى عام فى صفوف الضباط، كما كان هذا التسليم يعنى أن نبقى معلقين دون هدف نسعى إليه، ودون سياسة تهدى خطواتنا، وبرنامج عمل لتنفيذه.

الثانى- أن يقرر السادات إلغاء هذه الإجراءات، وهذا يعنى سحب الثقة من وزير الحربية فى وقت حرج، فضلاً عن أنه من غير الطبيعى أن يخذل وزير الحربية فى أمر يتصل بالسيادة الوطنية..

وفى النهاية، اتخذ الرئيس السادات حلا وسطا.. فقرر تحقيق التخلى جزئيا، بسحب ثلثى القوة السوفيتية مع الإبقاء على الثلث فى مواقعه. وفى هذا تجنب للسلبيات إلى حد ما، وتأمين إيجابى للإجراء المقرر. بينما يحتفظ السادات لنفسه بحرية الحركة مستقبلا تجاه السوفيت، أو وزير الحربية.

وهكذا صار القرار قرار السادات، يحمل فى جانب استجابة للرأى العام داخل المؤسسة العسكرية، ويبقى باب الحوار مفتوحا مع السوفييت.

اقرأ أيضا  الانتخابات الأميركية تدور فى إسرائيل.. والعكس

وبهذا انتهى الحوار الهاتفى بين السادات وصادق، ولكن الأزمة لم تكن قد انتهت!

●●●

فى 18 مارس 1972، اجتمع السادات بالسفير السوفييتى وكبير المستشارين العسكريين، وأنهى إليهما:

1ـ إنه وإن كانت الطائرة تى يو 22 لا تفى بالغرض المطلوبة من أجله، فإن مصر على استعداد لشرائها بالعملة المصرية.

2ـ أن الدبابة ت 62، يصعب سدادها بالعملة الصعبة، بعد فشل الاتفاق الليبى السوفيتى على صفقة البترول.

3ـ تأكيد حاجتنا إلى الطائرة إم 500.. وهى طائرة استطلاع تبلغ سرعتها ثلاثة أمثال سرعة الصوت، وتطير على ارتفاع 70 ألف قدم. وعرض السادات استعداد مصر لدفع ثمنها بالعملة الصعبة.

وجاء رد السوفييت صادماً، فقد أبلغ وزير الدفاع المارشال جرتيشكو أبلغ سفيرنا يحيى عبد القادر، بأنهم لا يستطيعون بيع الطائرة إم 500 إلينا، وأنهم أوقفوا شحن الطائرات تى يو 22 التى يعتبرونها طائرة جيدة ويعزون رفض مصر لها إلى حصولها على الطائرات لا يتننج، أما الدبابة ت 62، فلم يرسل السوفييت سوى عشر دبابات، مع وعد باستكمال الصفقة فى مواعيدها المقررة!!

●●●

على ذلك لم يكن مفاجئاً، فيما يبدى حافظ إسماعيل، تلقى دعوة عاجلة من الزعماء السوفيت لزيارة الرئيس السادات لموسكو فى أواخر أبريل 1972 لمناقشة الموقف فيما بدا انعكاساً لقلق السوفييت ورغبتهم تجنب حدوث أى شرخ فى مركزهم التفاوضى فى القمة السوفيتية الأمريكية المرتقبة.

ولم يكن السوفييت غافلين فضلاً عن ذلك عما يتردد فى الدوائر الدبلوماسية فى القاهرة عن اتجاه نحو تشكيل « محور » يصل طهران والرياض والقاهرة بهدف إضعاف النفوذ السوفييتى فى مصر، ولا عن أن أسباب تراجع ليبيا عن صفقة كانت تشمل القاذفة تى يو 16 والدبابة ت 62، إنما كان بإيعاز مصرى على الأرجح.

بادر السادات بإرسال خطاب عبر السفير السوفيتى إلى برجنيف، تضمن بصفة خاصة:

-1 أن الولايات المتحدة صعدت ضغوطها للإخلال بميزان القوى لصالح إسرائيل، وتفتيت التضامن العربى بتشجيع الملك حسين على تقديم مشروع المملكة المتحدة.

اقرأ أيضا  جمال عبد الناصر .. تفكير بعد خمسين سنة ..

-2 أن الوقت ليس فى مصلحتنا، فإسرائيل تعد لمرحلة استقرار طويلة ببناء قاعدة فنية تكنولوجية، وتطوير صناعتها الحربية المتقدمة، مع تدفق المهاجرين إليها ورءوس الأموال.

-3 أهمية اتخاذ إجراءات سريعة لتأكيد اتجاه السوفييت إلى تطوير القدرات الهجومية لقواتنا الجوية.

جاءت الزيارة لموسكو فى نهاية أبريل مثقلة بكل هذه الهموم، ورغم محاولات تطويق احتمالات الخلاف، خيم على الاجتماعات جو أقرب إلى الكآبة، ولا يوفر ظروف العمل المشترك.

عرض حافظ إسماعيل تفاصيل الخطوط العريضة التى دارت فى الاجتماع الأول، وما عرضه الرفيق بريجنيف للدعم العسكرى فى الاجتماع الثانى، تضمن: 16 طائرة سوخوى 17 التى بدأ السوفييت تجهيزها بسرعات ومدى وحمولة أكبر.

صواريخ سطح/ سطح، يتولى العلماء اختبار تجهيزها برأس «تقليدية».

وحدات صواريخ وكتائب فنية لتعزيز قوات الدفاع الجوى.

وأثار بريجنيف موقف قوات الدفاع الجوى السوفييتى وطلب مصر تعديل اتفاقية استخدامها، باعتبارها مسائل تبحث على المستوى السياسى وليس العسكرى، وكان تقديره أن المستشارين «ورقة» فى أيدينا فى مواجهة إسرائيل وأمريكا، ومن ثم فإن تخفيض عددهم غير سليم.

وهنا أكد السادات أن القرار كان قراره وليست له أبعاد سياسية، وأنه أجل تنفيذه حتى يناقشه معهم، وأنه لا مانع من استبقاء الكتائب «مؤقتاً».. أما بالنسبة لتعديل الاتفاقية، فسببه ما تتمتع به القوات السوفييتية من مزايا وحصانات.. مما يدفعه للإصرار على معرفة ماذا يدخل البلاد.

وأثار السوفييت ضرورة أن تعلن مصر عن حقيقة حجم المساعدات السوفييتية، بينما أكد الرئيس السادات أنه ليس ضد الوجود السوفيتيى فى مصر.. فهو من أيام عبد الناصر وسيلة ضغط على الغرب، ولكنه يريد وجوداً يخيف أمريكا حقيقة، وسلاح فعال يحيد إسرائيل فى العمق.. وأن يقف الاتحاد السوفييتى بقوة لمساعدتنا على تنفيذ قرار مجلس الأمن، وأن تتبع ذلك بخطوات تظهر للغرب وإسرائيل جدية العمل لإنهاء الاحتلال الإسرائيلى للأراضى العربية.

وانتهت الزيارة بالاتفاق على بيان قوى اللهجة، على زيارة يقوم بها المارشال جريتسكو لمصر. إلاَّ أن حادثاً وقع قبل وصول جريتشكو بأسبوع، عندما أجرى رجال الجمارك تفتيش أمتعة عدد من الخبراء السوفييت بمطار القاهرة وهم فى طريق عودتهم للاتحاد السوفييتى، بغرض التأكد من أنهم لا يحملون سلعًا ذهبية، وتعطل سفرهم لما بعد الظهر حتى أمر السادات وكان فى ليبيا بسفرهم إلى بلادهم. ومما يذكر أن هذه الخطوة التى أدت إلى أزمة، نفت الشائعات المتداولة حول «تهريب» الذهب من مصر، حيث تبين أن الخبراء لم يكن معهم سوى الهدايا الطبيعية التى يحملها السائح لعائلته.

اقرأ أيضا  ماذا لو تساهلنا؟

يضيف حافظ، أن كثيرين رجحوا أن ما تم بمطار القاهرة كان بتوجيه الفريق صادق، الذى أراد قبل وصول جريتشكو أن يؤكد بقاء مشكلة الخبراء «حية»، وأن تجميد اجراءات مارس لم يكن نهائياً. وأنه ربما أراد أن يؤكد فى الداخل أنه غير راض عما انتهت إليه الأمور، وأنه مثابر فى سعيه إلى تعديلها. وقالت بعض التكهنات، ورجح البعض، أن عام الدراسة الذى كان صادق قد أمضاه فى موسكو عام 1958، قد ترك لديه انطباعات غير حسنة تجاه السوفييت والعسكرية السوفيتيية بعامة، وأنه لم يستطع أن يتجاوز ذلك حتى بعد أن أصبح قائدا عاما.

وهكذا، لم يكن ملف الخبراء السوفييت قد أغلق، وسوف نرى أنه سوف يفتح مجددا، ولكن المارشال جريتشكو وصل إلى القاهرة فى 14 مايو 1972، وسبقه إلى مطار غرب القاهرة أربع طائرات سوخوى 17 من الستة عشر طائرة التى تقرر امداد مصر بها فى اتفاق أبريل لتكون « مؤشرا» على اتجاه مستقبل لدعم العناصر الهجومية فى القوات الجوية على نحو ما طلبه الرئيس السادات، وجرى بمناسبة وصول هذه الطائرات الأربعة عرض جوى اشترك فيه هذا السرب، وتلاه صدور بيان بأن مصر قد تسلمت قاذفات بعيدة المدى. وفى اليوم التالى تم توقيع اتفاقية التسليح المنفذة لقرارات أبريل، فى الوقت الذى كنا نترقب فيه ماذا سوف يسفر عنه اجتماع قمة موسكو فى الأسبوع الأخير من مايو. «يتبع»

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »