رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (59)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

ليس من السهل المرور السريع على ما كتبه وأفصح عنه حافظ إسماعيل عن مجريات الأمور وراء الكواليس فى تلك المرحلة التى أعتقد أنها كانت مفتاحًا ألقى بتأثيراته على ما جرى بعدها. كلام الرجل الكبير فى هذا الجزء من كتابه، يحمل الكثير من الرسائل من تحت الماء، لم يحجبها أسلوبه الرفيع فى تحاشى التجريح.. كانت الأنواء عديدة ومتضاربة، والطريق أمام تحرير الوطن عسير، تعترضه منعطفات وتعاريج، وتتنازعه قوى مؤثرة فى الخارج وأخرى فى الداخل وإن حسنت نواياها.. فى الاجتماع الأول 3 فبراير 1972، مع بريجينيف، تحدث الرئيس السادات حول محورين، تناول الأول رؤية مصر للموقف الحالى من كافة جوانبه، وعرض الثانى لما يجب أن تكون عليه العلاقات المصرية السوفييتية فى ضوء ذلك.

تحدث فى المحور الأول عن علاقتنا بالسوفييت، ثم عن رؤيتنا للحلف الإسرائيلى الأمريكى الذى يستهدف إقامة قاعدة تمركز فى إسرائيل لتمارس الضغط على الجبهة العربية التى تضم مصر وسوريا وليبيا والسودان. ثم شرح السادات محاولة الولايات المتحدة فرض حل فى المنطقة.. بدأت على أنها لحل شامل ثم انتهت إلى حل منفرد.. ثم إلى حل جزئى يستهدف فتح قناة السويس !

ومن المصادفات، أنه لدى وصول السادات فى حديثه إلى هذه النقطة، وصلت إلى بريجينيف برقية صحفية من واشنطن.. أنه بعد إعلان إسرائيل إستعدادها للدخول فى مباحثات عن قرب، أعلنت الخارجية الأمريكية ترحيبها بموافقة إسرائيل على التباحث حول إتفاق لفتح قناة السويس، وأن الولايات المتحدة على استعداد للمساعدة.

تابع السادات، فشرح أن الولايات المتحدة تقوم بتحديث القوات الإسرائيلية وبتعزيز قواتها الجوية، ودعم قاعدة صناعتها العسكرية، وفى مواجهة هذا الموقف عرض السادات :

-1 تأكيد صلابة الجبهة المصرية السوفييتية.

-2 وجوب التصاعد بالعمل السياسى حتى زيارة نيسكون لموسكو، مع دعوى وزيرى الخارجية المصرية والسوفييتية للمناقشة والاتفاق حول ذلك.

-3 الاستعداد للقيام بعمل عسكرى فى النصف الثانى من العام الحالى لتحقيق هدف عسكرى محدود، وليكن إحتلال المضايق، وبذلك يمكن استمرار العمل السياسى.

ثم انتقل السادات لطرح إحتياجات العمل العسكرى المحدود فيما يلى:

-1 قوة قاذفات مقاتلة للردع، للعمل فى العمق الإسرائيلى .

-2 قوة دبابات حديثة جدا من طراز ت 62

-3 إعادة تقييم جهاز الحرب الإلكترونية من جديد.

-4 تصنيع السلاح داخل إطار الاتحاد الثلاثى.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق(957)

ثم أكد الرئيس السادات أن مصر لا تريد مواجهة سوفييتية / أمريكية، ولا تريد جندياً سوفييتياً ليحارب معركتها. وفى المناقشة التالية نقل السادات للجانب السوفييتى عدم رضاء الطيارين المصريين عن القاذفة تى يو 16 وصاروخها، وصرح باستعداد الملك فيصل لإمدادنا بالقاذفة المقاتلة البريطانية والدبابات الفرنسية المزودة بالليزر، وأضاف أن الكويت ستحذو حذو السعودية.. وصارح الزعماء السوفييت بأن علاقات ضباطنا بمستشاريهم السوفييت ليست طيبة نتيجة طول فترة الاستعداد، وطالب باستكمال احتياجاتنا من الذخائر، وعرض استعدادنا وسوريا وليبيا للحصول على احتياجاتا بالعملة الصعبة.

وقد توقفت طويلا عند طلب استكمال إحتياجاتنا من الذخائر، فكثيرون لا يعلمون أننا كنا نعانى، وحتى حرب 1973، من عدم وفرة ما نحتاجه من ذخائر، وهى عصب أى قتال، وبدونها تصبح الأسلحة قطع حديدية لا قيمة لها. وسوف نرى أن هذه النقطة ظلت « أزمة » حقيقية تواجه عمل قواتنا المسلحة!

أما الاستعداد للوفاء باحتياجاتنا بالعملة الصعبة، فيبدو فيما كشفه حافظ إسماعيل، أن اعتماد السادات فيه كان على صفقة بترولية مزمعة بين ليبيا والسوفييت سوف توفر هذا المصدر من العملات الصعبة، ولكن قيض لهذه الصفقة فيما بعد ألا تتم !

كشف السادات للسوفييت محاولات الأمريكان للتسلل والاتصال ببقايا البرجوازية المصرية، وقَفَّى بتأكيد أن القوات السورية سوف تقاتل تحت قيادة مصرية، مشيرا إلى أن ضعف دفاعها الجوى يحول دون استخدام الطائرات المصرية لقواعدها الجوية لقصف العمق الإسرائيلى. وأضاف السادات أن ليبيا لديها مقاتلات فرنسية يتدرب عليها طيارون مصريون وليبيون، وستضم 44 طائرة أخرى حتى منتصف العام، وفى النهاية أعلن السادات أن مصر لن تقبل حلا أمريكيا، وطلب أن نرقى بعلاقاتنا المصرية السوفيتية إلى مستوى التحدى، وأن نتفق حول عمليات عسكريات تشنها مصر فى نهاية عام 1972.

وفى الجلسة الثانية للمباحثات، يروى حافظ إسماعيل ما عرضه الرفيق بريجينيف، عن علاقات البلدين منذ 1955 وأكد بصفة خاصة موقفهم التالى:

-1 تقديرهم ثورة يوليو وبرنامج عبد الناصر، واستعدادهم للمساعدة فى حدود قدراتهم لتحقيق أهداف الثورة.

-2 تأييدهم للسادات فى مقاومة المشروعات الصهيونية.

-3 أن أمامنا أعداء مشتركين، ولهم مصلحة للوقيعة بيننا.

-4 أن الولايات المتحدة تضلل العالم العربى باقتراح مشروعات لتسوية مرحلية، ولكن ذلك لا يعنى أن نمتنع عن العمل السياسيى.

إلاَّ أن أهم ما استوقفنى فيما رواه حافظ إسماعيل، قول بريجينيف إن السوفييت لا يمنعون مصر من العمل السياسى، ولكن « الحرب هى الحرب »، وأنه وإن كان قرار الحرب من حق القيادة السياسية والقوات المسلحة، ولكن من الضرورى فى بدء العمل العسكرى أن يكون « مضمونا ».. وقد مر بنا سلفا تعبير يطابق هذا التعبير.. وأضاف إليه بريجينيف « وبغير عجلة حتى يحقق أهدافه ».. ثم أضاف إنهم يقبلون الأفكار المصرية حول عمل عسكرى عام 1972، على أن تقوم القوات المصرية بتقدير حجم العمل ومداه مع مراعاة التفوق فى الدبابات والمدافع، وأن يكون توقيت العمل فى النصف الثانى من عام 1972 بعد مؤتمر القمة.

اقرأ أيضا  بين أرمينيا وأذربيجان.. معظم النار من مستصغر الشرر

انتهت المباحثات على تلاقٍ على محاور بدت مبشرة، حتى أن السادات أعلن رضاءه وسعادته رداً على سؤال للرفيق بريجينيف، وفى هذا الإطار التزم السوفييت فى مجال المساعدات العسكرية بما يلى:

« توسيع قاعدة انتاج الذخائر، والاتفاق على انتاج 60 طائرة ميج 21 المعدلة فى مصر، وتوريد 25 طائرة ميج 17 للتدريب والعمليات، و100 طائرة ميج 21 معدلة، و200 قاذفة تى يو، و 200 دبابات ت 62، وإعادة النظر بالنسبة لمعدات الحرب الالكترونية وأخيرا تنسيق التعاون المصرى السورى فى مجال استخدام المطارات السورية مع دعم الدفاع الجوى السورى والعناية بتدريب الطيارين.

● ● ●

على أن الأمور لم تسر بعد على النحو المأمول، حتى انتهت إلى انهيار اتفاق فبراير.. بدت بعض المشاكل فى الجبهة الداخلية تجاوزها السادات، ولكن فى إطار اتحاد الجمهوريات العربية، قررت مصر قطع علاقتها الدبلوماسية مع الأردن رداً على مشروعه بتكوين اتحاد يضم المملكة والضفة وقطاع غزة، وعارضت مصر وسوريا دعوة ليبيا لشن عمليات فدائية وتنظيم سلسة من الاشتباكات لعجم عود القوات الإسرائيلية، حيث خشيت سوريا أن تستدرج لمعركة لم يتم الاستعداد لها، واعتبرت مصر أن العمليات الفدائية مكملة للعمليات العسكرية، الأمر الذى اعتبرته ليبيا إفتقار إلى « إرادة القتال ».

على أنه زاد الموقف تعقيداً، سوء الفهم الذى شجر مع السوفييت وأدى إلى توقف برنامج التسليح لشهور ثمينة، ففى منتصف مارس قرر الفريق صادق فيما يروى حافظ إسماعيل قرر إستدعاء الوفد العسكرى الموجود فى موسكو لإبرام العقود التفصيلية لاتفاق فبراير.. وذلك احتجاجاً على طلب السوفييت أن يتم التسديد بالعملة الصعبة.

اقرأ أيضا  ماذا لو تساهلنا؟

الغريب المدهش، أن وزير الحربية طلب تفسيراً لهذا الموقف من كبير المستشارين السوفييت، فأبلغه أن تلك كانت رغبة الحكومة المصرية. الأغرب والأدهش أن وزير الحربية لم يرجع إلى الحكومة

أو القيادة السياسية، ولو رجع لعرف أن السادات أبدى ذلك فعلاً، وأن تقديره فى عرضه السداد بالعملة الصعبة قام على صفقة بترول مزمعة بين ليبيا والسوفييت ستأتى بعملة صعبة يمكن أن تستخدم فى تمويل التسليح، ولكن الصفقة للأسف لم تتم !

إن الحوار الذى سمعه حافظ بين السادات ووزير حربيته هاتفياً حوار مدهش.. دار حول انفراد وزيره بما اتخذه من إجراءات إستدعاء الوفد العسكرى من موسكو وتنحية الوحدات السوفيتية العاملة فى مصر!

يقول حافظ إسماعيل إن حوار الرئيس مع وزير الحربية كان هادئاً.. رغم أنه كان يدرك بلا أدنى شك الأبعاد السياسية والعسكرية للموقف الناشىء عن مبادرة الفريق صادق، وهو موقف أقل ما يوصف به أنه بالغ التعقيد. وكان مما يزيد من حرج الرئيس أنه يعرف أن السوفييت لم يخطئوا، فقد إستجابوا تماماً لما أبلغهم به.

ما تفسير موقف صادق ؟! لقد تجاوز فيه سلطاته، بل وإعتدى على سلطات الرئيس ؟! فمثل هذا القرار من صميم أعمال السيادة التى يختص بها رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وله أبعاد تجاوز المسائل الفنية العسكرية، إلى صميم السياسة العامة التى تختص بها القيادة السياسية؟!

فى دبلوماسية رفيعة، ولكنها رسالة من تحت الماء، يجيب حافظ بأنه ربما يكون من المبالغة إستنتاج أن دور صادق المؤيد للسادات فى أحداث مايو 1971 قد رسخ فى ضمير البعض إعتباره مبرراً لازدواج السلطة!

الذى أعرفه، ولم تذكره دبلوماسية حافظ، وأسلوبه الرفيع الذى يقول ما يريده بطريقته الخاصة، أن صادق كان قد جرى لفترة على إحالة كبار الضباط إلى المعاش، ثم يعود فيستدعيهم بأمر تكليف منه،

ولا يفوت أن ذلك ينقل الولاء من الرئيس القائد الأعلى الذى إليه قرارات الضباط وهم فى الخدمة، إلى وزير الحربية الذى إليه قرارات الإستدعاء والتكليف.. ولاشك أن ذلك كان مظهراً من مظاهر الإزدواجية، ولا أظن أن عين حافظ إسماعيل أو عين الرئيس قد أخطأت مغزاه !

يبقى أنه كان لموقف الفريق صادق توابع مهمة الأثر على برنامج التسليح!

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »