رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (58)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

تلاحقت الأحداث بما يعترض إعلان أن العام (1971) عام الحسم، ففى الوقت الذى لم تأت الاتصالات الأمريكية بعد زيارتنا للاتحاد السوفيتى بجديد، وجاءت النقاط التسعة المتعنتة التى أعلنتها إسرائيل سلبية، ودعا السادات فى 3 نوفمبر لانعقاد مجلس الأمن القومى لأول مرة بهدف مناقشة الموقف وإقرار خطة عمل، حمل ديسمبر 1971 نشوب الحرب بين الهند وباكستان، على أثر التدخل العسكرى الهندى عبر حدود باكستان الشرقية لفض النزاع وإعادة ملايين اللاجئين إليها، وتورطت القوى الثلاث الكبرى: الاتحاد السوفيتى، والولايات المتحدة والصين الشعبية بدرجات متفاوتة فى هذا الصراع.

اجتمع حافظ إسماعيل بوزيرى الحربية والخارجية ورئيس المخابرات العامة، وتبين أن الاتحاد السوفيتى قد ألقى بثقله وراء الهند فى الحرب الدائرة فى شبه القارة الهندية، وبدا أن الاتحاد السوفيتى قد اتجه إلى « تثبيت » الوضع فى الشرق الأوسط إلى أن يفرغ من الحرب التى ألقى بثقله فيها، الأمر الذى أكده قرارهم بتأجيل الجدول الزمنى لتوريد أسلحتنا المتعاقد عليها، وعلى ذلك صار من الضرورى فيما يروى حافظ اسماعيل تأجيل أى قرار مصرى بتحرك إيجابى ضد إسرائيل خلال النصف الأول لعام 1972 وهكذا انتهى عام 1971 دون حسم، وعدنا فى مطلع 1972 فى حاجة لدراسة الموقف السياسيى والعسكرى وتحديد سياستنا فى المرحلة التالية، والتى كانت فى انتظار اللقاء بالسوفييت المحدد له أول فبراير 1972.

على أنه كان على السادات، قبل زيارة الاتحاد السوفيتى، أن يواجه الموقف الذى اندلع فى الداخل، ما بين اضرابات فى الجامعة اعتبرت الموقف «قرارا بعدم الحرب»، بينما اعتبر اليسار الموقف «استسلاما»، ورأى التيار اليمينى أنه منطلق لتخفيف القيود المفروضة على الحريات، ودفعة على طريق التحرك لتحقيق تسوية سياسية.

وفى هذه الظروف أجرى السادات عدة تعديلات، فعين الدكتور محمود فوزى نائبا للرئيس ليكون بخبراته مشيرا إلى جواره، وكلف الدكتور عزيز صدقى برئاسة الوزارة، وعين المهندس سيد مرعى أمينا عاما للاتحاد الاشتراكى العربى، والدكتور مراد غالب وزيرا للخارجية بعد عشر سنوات أمضاها سفيرا لنا فى موسكو، وهو فى تقدير حافظ خير من يعهد إليه بهذه المهمة التى رشحه لها أيضا أنه كان يتمتع بخصائص نادرة، فهو بعيد النظر، ويقترب من المشكلات بنمط علمى ويرى الأمور بحجمها الحقيقى، ويربط بينها بذكاء ويستخلص النتائج الصحيحة ويرتب عليها الفعل المناسب، مع ديناميكية وحركة دائمة للتصدى للمشاكل وتسويتها، مما دعا حافظ اسماعيل لتوقع امتداد التعاون المثمر فيما بينهما.

بيد أن الأوضاع على الجبهة العسكرية فيما يورد حافظ كانت أكثر ما يثير القلق، فمع الإجماع على ممارسة الضغط على إسرائيل بعمل عسكرى، إلاِّ أن الاستراتيجية العسكرية لم تكن قد تقررت، فكان داخل القيادة العسكرية رأيان:

الأول: يؤيد اتباع استراتيجية هدفها تحرير سيناء كاملة، وتوفير الامكانيات والاحتياجات اللازمة لتحقيق ذلك. وكان وزير الحربية الفريق محمد صادق ينتصر لهذا الرأى.

والثانى: يحبذ القيام فى المستقبل القريب بعملية عسكرية محدودة، بما هو متوفر من قدرات قتالية لدى مصر، وكان رئيس الأركان الفريق الشاذلى ينتصر لهذا الرأى.

يروى حافظ إسماعيل، أنه فى أوائل يناير 1972، أعد الفريق صادق تقريرا عن أوضاع القوات المسلحة واحتياجاتها لمعركة هجومية، مما لا يمكن تدبيره قبل منتصف عام 1973، كما أبرز التقرير قدر «الجفوة» التى بين القيادة العسكرية والمستشارين السوفييت، وأنهم المسئولون عن عدم إعداد قواتنا لمعركة هجومية، وكان هناك تيار عام يؤيد هذا الاتجاه.

وفى منتصف يناير، اجتمع حافظ اسماعيل بالفريق صادق والدكتور مراد غالب، وكان الاتجاه الغالب فيما بينهم يؤيد كل ما يدعم جبهتنا الداخلية ومركزنا العسكرى، وبصفة خاصة تدعيم التفاهم المدنى/ العسكرى داخل الحكومة، وتحقيق أكبر قدر من التفاهم والتعاون بين العسكريين المصريين والسوفييت، ووضع استراتيجية محدودة فى إطار الموارد المتوفرة لقواتنا المسلحة لمعركة خلال عام 1972.

● ● ●

على أن الولايات المتحدة ضاعفت جهودها لاجتذاب مصر خارج دائرة التعاون مع السوفييت، وتزامن مع ذلك قرار أمريكى ببدء تسليم 30 طائرة فانتوم لإسرائيل، وإعلان إسرائيل استعدادها للدخول فى مباحثات عن قرب للتوصل إلى اتفاقية مرحلية على أساس حلول وسط دون التزام بالنقاط الست واشتراط ألا تتقدم أمريكا بوجهات نظر أثناء المباحثات.

وكان أقصى ما ذهبت إليه الولايات المتحدة، هو الوعد بأن تكون إسرائيل «عاقلة» وأن لا تتخلى هى عن مصر، أما التسوية الشاملة، فهى الهدف النهائى لهذه الخطوة، وتتم تحت إشراف يارنج على أن يجرى التفاوض لتحديد الخطوط التى تنسحب إليها إسرائيل.

وكان تقديرنا لهدف تحركات واشنطن فيما يبدى حافظ اسماعيل هو محاولة اقناع السوفييت بمناسبة زيارة السادات لهم فى 3 و4 فبراير بإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية، ومن ثم تشجيع السوفييت على عدم الاستجابة لمطالب مصر من التسليح.

وفى لقاء بين حافظ والدكتور مراد غالب، اتفقا على أنه من الضرورى.

1ـ تركيز جهد خاص خلال عام 1972 للتوصل إلى تسوية مصرية ضمن إطار عربى، تتحقق على مراحل متتالية.

2ـ مع تأكيد علاقاتنا بالاتحاد السوفييتى، فإنه يمكن استمرار الفتح على الولايات المتحدة وتنمية التفاهم مع أوروبا بوجه عام.

3ـ تخطيط عملياتنا السياسية والدبلوماسية بحيث تصل إلى ذروتها قبل اجتماع قمة موسكو فى مايو.

4ـ الإعداد للقيام بعمل عسكرى مفاجئ ومحدود وحاسم خلال عام 1972.

5ـ استمرار التعاون مع السوفييت لدعم موقفهم بالنسبة لقضية الشرق الأوسط.

6ـ الاتفاق على جملة صيغ لتحديد موقف مصر من عناصر التسوية السياسية.

وجاءت الأيام مثقلة بالأعباء، وبدا السادات قلقا ومتشائما، واستمر على المستوى العسكرى تصاعد عدم الثقة بين المصريين والسوفييت، وبات يتردد فى دوائرنا العسكرية عدم وفاء السوفييت بالتزاماتهم فى تدبير احتياجاتنا من الأسلحة والمعدات.

وفى إطار هذا الجو، بدأ الاستعداد لزيارة موسكو، ولكن قبيل اقلاع السادات وحافظ وباقى الوفد المصرى، تلقى الرئيس رسالة من الملك فيصل يعرض « هدية » من 20 قاذفة مقاتلة سعودية، آملا أن يستحث ذلك الآخرين على تدبير احتياجات مصر من السلاح. وهكذا اتخذ الاتجاه للتسليح العربى مسارا عمليا.. مما أدى حتى قبل أن نتبين فاعليته للتشجيع على « استرخاء » الارتباط بالسوفييت.

ولم تكد الطائرة تقلع إلى موسكو، حتى طلب الرئيس السادات أن يستمع لتصور معاونيه لإدارة المباحثات مع السوفييت، فكان من بين ما عرض عليه ما توصل إليه اجتماع حافظ وغالب من نتائج لبرنامج عمل، أقره السادات، وطلب إعداد موجز به ليكون تحت تصرفه فى المباحثات المرتقبة يومى 3 و4 فبراير.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك