رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (45)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

حدثتك سلفا عن أزمة نقابة المحامين مع المرحوم الرئيس السادات، وعن تشكيل لجنة بعد رحيله بالقانون 109 لسنة 1982 معدلة للقانون 125 لسنة 1981 بتشكيل مجلس مؤقت للنقابة برئاسة الأستاذ المستشار أحمد حسن هيكل رئيس النقض السابق، ليبدأ عمله من 23/7/1982، وفى مارس 1983 صدر قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 فى ظل المجلس المعين، وسبقت إليه الحكومة بعد أن استشعرت أن المحكمة الدستورية العليا بسبيلها إلى إصدار حكم بعدم دستورية القانون 125/1981، ونص فى القانون 17/1983 على تشكيل لجنة مؤقتة لإدارة النقابة من أحد عشر عضوا تختارهم لجنة ثلاثية برئاسة رئيس محكمة النقض وعضوية رئيس مجلس الدولة ورئيس محكمة الاستئناف العالى بالقاهرة، فأصدرت قرارها بتشكيل اللجنة فى 18/4/1983، برئاسة شيخنا وأستاذنا الأستاذ الكبير محمد عبد الله محمد، وكان يحظى باحترام وتقدير الجميع، واطمئنانهم أيضا لابتعاده عن السياسة وعن أى منافسات نقابية، إلاّ أن المحكمة الدستورية العليا لم تمهل الحكومة، وأصدرت فى 11/6/1983 حكما قضى بعدم دستورية القانون 125/1981 لمخالفة مادته الأولى للمادة 56 من الدستور بإخلالها بمبدأ الحرية النقابية وبالأساس الديمقراطى، وترتب على ذلك عودة مجلس النقابة الشرعى إلى النقابة برئاسة الصديق الحبيب المرحوم الأستاذ أحمد الخواجه، وفى 29/9/1983 شكلت هيئة المكتب من المرحومين الأستاذين عثمان ظاظاومحمد المسمارى وكيلين، والأستاذ محمد فهيم أمين أمينًا عامًا، والأستاذ محمد علوان أمينًا للصندوق، على أن الرياح بدأت تهب بين معظم المجلس بعامة، والنقيب أحمد الخواجه وبين الأستاذ محمد فهيم أمين الذى كان نقابيًا نشطًا جدًا، ولكنه صاحب أسلوب يعده البعض انفراديًا ويضيقون به، وكان من إنجازات الأستاذ محمد فهيم معهد المحاماة الذى شرفت بعد ذلك بالمحاضرة فيه لسنوات قبل أن أقصى عنه لأغراض نقابية، ثم غلبت المنافسات أو التحزبات الانتخابية المرتقبة، على تشكيل الأسر، وعلى تشكيل لجنة الحريات، ولكن المجلس مارس بعامة سلطاته النقابية فى قيادة سفينة النقابة والمحاماة، ومارس دوره السياسى ببيان أصدره فى 26/2/1984 فى ذكرى التطبيع المرفوض مع إسرائيل، شجب فيه التطبيع، وساند القضاء ومجلس الدولة فى مطالبهم بضرورة استقلال كل منهما بتنظيم أمر القضاء، واستنكر التنصت فى غرف المداولة وعلى المحامين، ومارس الأستاذ محمد فهيم أمين بهمة محمودة إصدار ملاحق تعثرت من بعده لمجلة المحاماة ضمت القوانين والقرارات الجمهورية والوزارية العامة، ومثلث عدة لازلنا نستفيد بها فى مكاتبنا للآن، وتوالى عقد الندوات بالنقابة، عن الاقتصاد، وعن قانون الانتخابات والحريات، وعن حقوق الإنسان، وفى 26/4/1984 فتح باب الترشيح لإجراء الانتخابات فى 28/12/1984 لمجلس جديد بعد أن انتهت مدة المجلس القائم، ولكن الحكومة أصدرت فى 18/10/1984 القانون 227/1984 عدلت فيه بعض نصوص قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1981، ومعظمها تعديلات من أجل الانتخابات القادمة، وكان من أهمها أن تشكيل مجلس النقابة زيد إلى 24 عضوا بخلاف النقيب، منها مقعدان للشباب، مع زيادة عدد المحامين بالقطاع العام إلى ستة أعضاء بدلاً من أربعة، مع التنصيص على عدم جواز انتخاب النقيب لأكثر من دورتين متصلتين، فعادت زوبعة بالنسبة للنقيب أحمد الخواجه، حسمها الاستدارك الوارد بآخر المادة 136 من أن سريان القيد يبدأ فى ظل هذا القانون ( 227/1984 ).

وفى 20/12/1984 جدد مجلس النقابة الدعوة لإجراء الانتخابات فى يوم الجمعة 19/4/1985، سبقها دعوى أقامها الزميل المرحوم كمال خالد الذى رشح نفسه لموقع النقيب أمام محكمة القضاء الإدارى، طعن فيها بعدم دستورية القانون 227/1984، وعدل فيها طلباته بإضافة طعن بعدم قبول ترشيح من أمضوا قبل ذلك دورتين متصلتين بمجلس النقابة، وقضت محكمة القضاء الإدارى بقبول الدعوى بالنسبة لمن لم يسددوا الاشتراكات ورفضها بالنسبة للطعن على قبول ترشيح النقيب أحمد الخواجه للمرة الثالثة، فطعن الأستاذ كمال خالد أمام الإدارية العليا، كما طعن المحامون المقضى بوقف تنفيذ قرار قبول أوراق ترشيحهم، فحكمت المحكمة الإدارية العليا بإلغاء الحكم لعدم اختصاص محكمة القضاء الإدارى، وأحالت الدعوى بشقيها لمحكمة استئناف القاهرة للفصل فيها، ولكن الانتخابات كانت قد أجريت وفاز فيها المرحوم الأستاذ أحمد الخواجه كالعادة بأغلبية كبيرة، ولم ينجح ممن لم يسددوا الاشتراكات سوى الزميل الأستاذ أحمد ناصر أمد الله فى عمره، والذى كان الأستاذ كمال خالد قد ترك الخصومة بالنسبة له استجابة فيما روى لتدخله والأستاذ محمد فهيم لديه. ويروى المرحوم الأستاذ كمال خالد أنه بعد رفض دعواه بالنسبة لترشيح الأستاذ أحمد الخواجه، طعن أمام محكمة النقض فقضت بقبول طعنه فى مايو 1996 بعد عشر سنوات كان فيها مجلس النقابة قد تغير أكثر من مرة، ثم فرضت الحراسة على النقابة فى مشاهد درامية مؤسفة، بينما لاقى النقيب أحمد الخواجه ربه فى ذات العام فى مساء يوم 22 ديسمبر 1996.

أعود إلى الانتخابات التى أجريت فى موعدها 19/4/1985، وفاز فيها الأستاذ أحمد الخواجه بأغلبية كاسحة، فحصل على 8484 صوتًا، بينما حصل المرحوم الأستاذ أحمد شنن على 1795 صوتًا والمرحوم الأستاذ الدكتور على الرجال على 1307 صوتًا، وجاء المرحوم الأستاذ كمال خالد فى آخر القائمة، وحصل على 950 صوتًا. ودخل المجلس على مقعدى الشباب، المحاميان الشابان آنذاك الأستاذ مختار نوح مرشح الإخوان، والأستاذ سامح عاشور مرشح الناصريين والمدعوم بشدة من الأستاذ النقيب أحمد الخواجه.

وسرعان ما بدأت الخلافات، بين النقيب أحمد الخواجه ومعظم المجلس، وبين الأستاذ محمد فهيم أمين، وأرادت الأغلبية استبعاد الأستاذ محمد فهيم تماما من هيئة المكتب، وحاول النقيب أحمد الخواجه ترضيته بأن يكون وكيلا للمجلس، إلاّ أنه رحمه الله لم يقبل إلاَّ أن يكون باختصاصات حددها ارتأت فيها الأغلبية محاولة لمعاودة انفراده بالعمل النقابى، وانتهى هذا الصراع المبكر باختيار المرحوم الزميل الدمث، الأستاذ صبرى مبدى، أمينا عاما للنقابة.

وبدأت الخلافات تنفجر بشدة، فجمد الأستاذ محمد فهيم أمين وأحمد ناصر نشاطهما النقابى، وعزفا عن دخول النقابة، وتفتقت قريحتهما عن تشكيل لجنة أخرى للحريات، عُنيا بأن يطلقا عليها « الوطنية « ليفهم بمفهوم المخالفة أن الأخرى غير وطنية، وأضافا فى المسمى عبارة: « ووحدة نقابة القاهرة « اعتراضا على أى محاولات لتقسيم القاهرة إلى نقابتين، وهو ما رأينا أنه حدث مؤخرًا تحت ضغط زيادة أعداد المحامين بالعاصمة، وزيادة مقار المحاكم على المائة، مما يستحيل أن تنهض على ذلك نقابة واحدة للقاهرة، بيد أن هذا الاختلاف لم يخل من أغراض راقدة تحت الأعماق، هى التخوف من أن ينتقل الأستاذ محمد فهيم أمين ليكون نقيبا للقاهرة فيصير بحكم كبر حجمها موازيا للنقيب العام، وقد ظلت هذه التخوفات جاثمة حتى رأينا القاهرة بلا نقابة وبلا نقيب لسنوات عديدة توافقت فيها رغاب النقيب العام مع رغاب أمن الدولة، فظلت أكبر النقابات الفرعية، فى مصر، يديرها أحد القضاة، دون أن يقض هذا الوضع مضجع أحد من المتغنين بحب المحاماة وكرامة المحاماة ومكانة نقابة المحامين!!!

على أنه وقتها لم تمض الأمور بسلام، وبدأت الصراعات تطفو على السطح، والسباقات لعقد الندوات وحشد الأعوان والأصوات انتظارا للمعركة القادمة.. وطفق الأستاذان محمد فهيم وأحمد ناصر يحاولان الانفراد بعقد ندوات بدار النقابة العامة، فاعتبره باقى المجلس تجاوزا للمجلس غير مقبول، وعقدت أولى الندوات قسرا تحت حراسة مشددة، وتطور الصراع، وبدأ الأستاذ محمد فهيم أمين يوجه اتهامات تمس الذمم المالية لبعض أعضاء المجلس السابق والحالى، وانهالت البلاغات إلى المدعى العام الاشتراكى والنيابة العامة ضدهم وضد بعض موظفى النقابة، بينما رفع المرحوم الأستاذ كمال خالد دعوى تهيئة دليل طلب فيها ندب لجنة ثلاثية من الجهاز المركزى للمحاسبات لمراجعة الأعمال المالية لمجلس النقابة، فى الوقت الذى طفت فيه خلافات بين الفصائل السياسية وأظهرها بين فصيل حزب الوفد الجديد الذى انعكست عليه الممارسات داخل حزب الوفد، وباتت وحدة النقابة مهددة بشرخ كبير بدأ يتسع شيئا فشيئا، وفى 27/4/1986 بدأ بعض المحامين اعتصاماً احتجاجيا بدار النقابة، ضم فيمن ضم العزيز المرحوم مصطفى عويس، والأساتذة أمير سالم وعباس حجر وآخرين، وانضم إليهم الأستاذ أحمد ناصر، وجعل المعتصمون يصدرون بيانات يومية، وفشلت محاولات النقيب أحمد الخواجه فى إثنائهم عن الاعتصام، وامتدت طلباتهم إلى تعديل مواد الحصانة الخاصة بالمحامى فى قانون المحاماة، وإجبار وزير الداخلية على الاعتذار علنا للمحامين عن تجاوزات فردية حصلت من رجاله فى حق المحامين، وبعد أن طالت المدة، بينما يتخذ مجلس النقابة موقفا سلبيا من الاعتصام، مهد المعتصمون لفض الاعتصام بإصدار بيان توصيات فى 8/5/1986، وحددوا موعدا نهائيا للبت فيها 16/ 5/1986، فاجتمع مجلس النقابة فى 15/5/1986 اجتماعا طارئًا أعلن فيه الاستجابة لطلبات المعتصمين، وأعلن بالمرة الإضراب العام احتجاجا على مد حالة الطوارئ واستنكار الاعتداءات التى وقعت على المحامين تذرعا بحالة الطوارئ، ويومها تقرر فى المؤتمر الذى عقد 16/5/1986 فض الاعتصام، ولكن النار كانت باقية تحت الرماد!!!

شارك الخبر مع أصدقائك