من أرشيف الذكريات (171)نحو بناء الثقة، وضبط التسليح

شارك الخبر مع أصدقائك

ومع تشعب الموضوعات التى كتب فيها حافظ إسماعيل فى هذه الحقبة، ولم أستطع عرضها كما أحب لضيق المقام، واكتفيت بالإشارة والإيماءة عن الإطالة، فإنى لا أستطيع أن أدع ما كتبه للبيان الإماراتية فى 1993/2/10 عن «نحو بناء الثقة، وضبط التسليح».  

موضوع المقال هو الموقف اللازم مواجهته فى الصراع العربى الإسرائيلى بعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية بانتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ثم هزيمة العراق عسكريًّا فى أوائل عام 1991، فقد أدى ذلك إلى أن تستقل الولايات المتحدة بسياسة الأمور فى الشرق الأوسط، وجعلت ترتب لمفاوضات بين العالم العربى وإسرائيل تجرى على مستويين: الأول ثنائى بين إسرائيل وكل من دول الجوار ـ عدا مصر ـ وشعب فلسطين فى الأرض المحتلة. والثانى متعدد الأطراف لتسوية عدد من الموضوعات تحقق اندماج إسرائيل فى العالم العربى وتعاونها مع دوله.

وعلى قرابة أربعين عامًا، حاولت القوى العالمية الكبرى أن تضمن لإسرائيل مكانًا  (ومتميزًا) فى الشرق الأوسط، ولكن العالم العربى كان قد فقد ثقته فى تأمين فلسطين منذ عقد المؤتمر الصهيونى السابع فى بال بسويسرا، وأقر على هدى توجيه الزعيم الصهيونى تيودور هرتزل أن تصبح إسرائيل وطنًا لليهود، وملجأً لهم من اضطهاد أوروبا.. وكان نابليون قد رأى قبل ذلك بقرن من الزمان، أن يجعل من فلسطين «اليهودية» موطئ قدم لفرنسا نحو الهند حيث ترتفع الأعلام البريطانية.

ولكن بريطانيا جاءت من بعده لتنهى حلمه، ولتجعل من فلسطين حاجزًا أمام محمد على يحول دون امتداده شرقًا من مصر، واعتمدت بريطانيا فى مخططاتها على الأقلية اليهودية كما اعتمدت روسيا وفرنسا على الأقليات. وفى عام 1882 احتلت بريطانيا مصر بعد فتح قناة السويس، وهبطت أول مجموعة من يهود روسيا فى فلسطين.. وكان ذلك بداية صراع طويل بينهم وبين عرب فلسطين، امتد طويلاً، وكان أكثر مرارة وأشد عنفًا من أى صراع آخر ضد وافد- أوغازٍ- إمبريالى.

ومع سقوط الإمبراطورية العثمانية، استجابت عصبة الأمم المتحدة لمطلب بريطانيا، فضمّنت صك انتدابها على فلسطين ما حواه إعلان بلفور بأن يصبح لليهود وطن قومى فى فلسطين، شهد على تحقيقه الحاكم العام البريطانى الذى جعل من أوائل أهدافه فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وهكذا نما الوجود اليهودى ـ بهؤلاء المهاجرين ـ فى  فلسطين، وأخذ اليهود يعدون أنفسهم خلال عقدين ونصف لإقامة الدولة واستقلالها! فمع تشكيل القوة المسلحة للأمن الداخلى وللنضال فى أوروبا، جرى التنظيم للانتقال السياسى العسكرى عندما تحين الفرصة المناسبة.

وكان عام 1947 – فيما أبدى حافظ إسماعيل- عامًا حاسمًا فى تاريخ الإعداد والترتيب للدولة اليهودية فى فلسطين، فقد سيطرت الصهيونية على نصيبها الذى قررته الأمم المتحدة من الأرض، وأضافت إليه منطقة النقب.. حتى تصبح لها إطلالة على شرق أفريقيا وجنوب آسيا، وأظهرت استجابة قوامها المناورة لجهود التسوية السياسية، حتى وصلت إلى النتائج التى انتهت إليها الحرب عام 49/48، متطلعة إلى الاستيلاء على كل فلسطين كقاعدة لحركتها المستقبلية.

وفى عام 1967، احتلت إسرائيل كما هو معروف، ما تبقى من فلسطين- قطاع  غزة، والضفة الغربية، فضلاً عن سيناء ومرتفعات الجولان السورية، وسمح لها السعى إلى تسوية عادلة أن تستغل الوقت الضائع لتثبت سيطرتها من القنيطرة إلى القنطرة، لتصبح قاعدة هيمنتها من النيل إلى الفرات، وهكذا أتيح لإسرائيل أن تروج لفكرة عدم ثقة العالم العربى فيها فى ضوء قرارات قمة الدول العربية بالخرطوم، كما تحقق لها تأكيد تفوقها العسكرى بما أضافته إلى ترسانتها العسكرية من قوة نووية جعلتها قوة نووية صغيرة فى محيط لم يتح فيه بعد لأى دولة أن تكون قوة نووية صغيرة أو كبيرة.

وبذلك صارت فجوة فروق التسليح بين العرب وإسرائيل واسعة، لصالح إسرائيل.
***

ولم تسهم حرب أكتوبر 1973، فى استعادة الثقة أو تضييق الفجوة، والتى زادت اتساعًا مع الوقت، ومع ما تضمنته اتفاقيتا فض الاشتباك على جبهة مصر بمساعدة الولايات المتحدة، ومع تحديد خطوط وخطط الانتشار, وحدود مناطق الاستطلاع الجوى لمصر وإسرائيل، وما صاحب ذلك من نقل السيطرة على آبار البترول إلى مصر بعد توقيع  الاتفاقية، وممارسة الدولتين للنشاط الإقتصادى العادى، والسماح بمرور البضائع غير الحربية لإسرائيل فى قناة السويس من وإلى إسرائيل، وإنشاء نظام إنذار مبكر للدولتين، بمساعدة أمريكية، مع توفير إنذار أمريكى مبكر، فإن نواتج ذلك: 

أ- أن بناء الثقة سوف يستلزم ـ إن نجح! ـ وقتًا طويلاً! 

ب- أن التطور لن يكون إلاَّ خطوة خطوة.

ج- أن استمرار التقدم يستلزم وجود الولايات المتحدة كعامل فعال بين طرفى الصراع.

أما عن ضبط التسليح، فإن زعماء الليكود لم يكونوا راغبين فى تحقيق تسوية سياسية، وإنما كانوا عاملين على بناء إسرائيل الكبرى، ولم يكن يهمهم أن تستغرق المفاوضات مع العرب عشر سنوات، فبذلك يستطيعون خلالها استقبال واستيعاب مليونى يهودى مهاجر من الاتحاد السوفييتى، وتتم هذه التغطية بحيازة إسرائيل للتسليح النووى الذى صار أداة رادعة للعرب.

كما أسىء للعرب فى الرأى العام الدولى، بأنهم عدوانيون، وأنهم الذين بدءوا بحرب 1948 و 1956 ومن بعدها 1967 فحرب 1973.. وللأسف أساء العرب الدفاع عن موقفهم (ويسيئون اليوم أكثر وأكثر!!)، برغم أن الحروب التى خاضوها كانت دفاعًا عن أراضيهم واستقلالهم وسيادتهم وحقوقهم المشروعة.

ومن المفارقات التى يوردها حافظ، أن العرب اعتبروا حصول حزب العمل على أغلبية تسمح بمشاركة أحزاب صغيرة أخرى بتشكيل الحكومة، اعتبر العرب ذلك نصرًا لهم يسقط جزئيًّا مشروع إسرائيل الكبرى، ودعنا من المناورات الإسرائيلية التى تلت ذلك.

فالحاصل أن التسلح  الإسرائيلى يتضمن أسلحة الدمار الشامل، وهذه تجمع فى تقدير حافظ إسماعيل- الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية فضلاً عن الأسلحة التقليدية والثقيلة منها كالدبابات والمدفعية المتطورة والطائرات.

ومن الواجب التفطن إلى أن الأمر لم يقتصر على ذلك، فهناك قدرة إسرائيل الصناعية والعلمية والتكنولوجية، وحصاد مستوى علاقاتها السياسية بالقوى الكبرى ذات المصالح الحيوية بالمنطقة.

ومنذ هزيمة الإمبراطورية السوفييتية- والحديث عام 1993 ـ تضاءل إلى حد كبير جدًّا قدر التسليح الذى توفره روسيا للدول العربية نظرًا لحاجتها إلى دعم الولايات المتحدة  وأوروبا المالى لمواجهة التحديات التى تواجهها. (ولم يطرأ على هذا الوضع جديد إلاَّ ما أداره الرئيس المصرى مع روسيا السوفييتية عام 2013 / 2014، وهو ما يُرْجى أن يخرجنا من هذا الحصار الذى يصادر على قوتنا).

وتتمة هذه القصة المؤسفة، فيما أبدى حافظ إسماعيل بمقاله 10 فبراير 1993، أن الولايات المتحدة ضمنت لإسرائيل التفوق النوعى والكمى، ووفرت مخازن أسلحة داخل إسرائيل تتيح لها إمكانية استخدامها حين تريد، فى الوقت الذى تواجه فيه الدول العربية مشكلات كبرى.

وهنا ينبه حافظ إسماعيل إلى أن تناول موضوع التسليح لا يمكن ولا يجوز أن يكون مجزءًا، فالتسليح النووى والكميائى والبيولوجى، يجب أن يدرس مع التسليح التقليدى، حتى يمكن تحقيق التوازن فى المنطقة. من ثم لا يجوز قبول أى تخفيض للتسليح بدون دراسة مستوفاة ومتعمقة تضمن التوازن الواجب إن صحت نوايا التقدم نحو السلام فى مراحل متتالية.

وعلى ذلك، وبجانب الدور الواجب تفعيله للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية،  فإن البحث عن حلول وسط  لبناء الثقة وتوازن التسليح ـ يصبح شديد الخطورة، إن  لم يلازمه: 

أ- سعى حقيقى لبناء الثقة بإجراءات متوازنة تضمن فيما تضمن حق تقرير المصير لعرب فلسطين، والسيادة لدول الجوار، مقابل إجراءات عسكرية من طرف ثالث إن لزم الأمر لتحقيق الثقة.

ب- ضبط التسليح بإجراءات متوازنة بين أسلحة الدمار الشامل والأسلحة التقليدية!

شارك الخبر مع أصدقائك