رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (150)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

ومع توالى الأحداث والتطورات لعالم جديد تتشكل معالمه، والتى جعل حافظ إسماعيل يرصدها ويطرحها فى مقالات متتالية، بصحف مصرية وعربية، ومن خلال ما دعى إليه من ندوات، فإنه كتب شبه دراسة لصحيفة العالم اليوم القاهرية، نشرت بعدديها 1، 4 يناير 1994، بعنوان
«القوى الكبرى على طريق نظام عالمى جديد».. قدمت لها الصحيفة بأنها «رصد للتحولات الكبرى فى موازين القوى الدولية لعام 93/ 1994».

افتتح حافظ إسماعيل دراسته بأن نهاية الحرب الباردة قد حررت قوى لا يمكن السيطرة عليها للعقد أو للعقدين القادمين.. كالأطماع الإقليمية، والصراع على مستوى كثيف، والإرهاب بصورته النووية.. فخلال ما تبقى من القرن الحالى القرن العشرين، ستكون هناك خمسة وعشرون دولة مالكة لأسلحة الدمار الشامل، وهذا يفرض أو يعطى المبرر. للدول الكبرى للاحتفاظ بوسائلها منها.

إن الحرب الباردة كانت قد قسمت العالم أو استقطبته إلى قسمين.

وبعد انتهائها صار العالم إلى ثلاثة أقسام.

والعالم اليوم (1994)، يمر بأزمة اقتصادية شديدة، حيث لا يزيد النمو الاقتصادى للدول الصناعية على واحد فى المائة، فيما عدا اليابان التى صارت تتمتع بفائض هائل فى ميزانيتها ودين عام لا يذكر، وبذلك أصبحت مثلا يُحتذى للعالم الغربى فى سعيه لإنقاذ الاقتصاد من هاوية الركود.

لقد ارتفع متوسط عجز الميزانية إلى %4.2 عام 1993 من الناتج المحلى فى «دول منظمة التعاون الإقتصادى»، كما زاد إجمالى ديون قطاعها العام على %63 من الناتج المحلى، وسيطول «عجز الميزانية الأوربية» حتى ولو وصل نشاط الدول المعنية إلى الذروة.

وهكذا، أو لهذا، رأى الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الأب، أن بلاده ستصبح «روما» نهاية القرن العشرين. فالأمريكيون ليست لديهم القدرة العسكرية أو الإمكانيات المالية أو الرغبة فى لعب دور «شرطى العالم». كما أن «ثورة المعلومات والاتصالات» ربطت الدول برباط لا يمكن الفكاك منه على المستوى الاقتصادى والمالى والثقافى والايديولوجى.. فقد أصبح العالم بمثابة «قرية».. ولكن هذا لا يضمن السلام، فالعالم فى حاجة إلى حَكَم قوى، لضمان هذا السلام. فمن ذا يستطيع؟ هنا يحاول حافظ إسماعيل قراءة القوى الكبرى التى انقسم إليها العالم بعد نهاية الحرب الباردة.

أولا – الولايات المتحدة
إن السياسة الدولية تعتمد على ثلاثة «أعمدة».. اتفاقية «ماستريخت» فى أوروبا، وقبول الكونجرس الإمريكى لإتفاقتيى «نفتا» و«الجات».. وفى مؤتمر «سياتل» الذى ضم 14 رئيس دولة تحقق ارتباط دول المحيط الهادى «أمريكا، وكندا» مع «شرق آسيا»، مع عدم تخلى أمريكا عن أوروبا.

وبذا تعتمد التجارة الدولية على ثلاث مناطق تبادل حر: أوروبا، وأمريكا، والمحيط الهادى. ويعتمد العالم على الولايات المتحدة التى تعمل لتحرير التجارة الخارجية، وتتوازى سياستها الخارجية مع حاجتها الاقتصادية، وتقبل على عهد يتفوق فيه الاقتصاد على العسكرية.

ويرى الفرنسيون أن العالم يجتاز الآن (1994) أقصى ما مرّ به من أزمات اقتصادية، زاد المتعطلون فى أوروبا إلى 36 مليون، وزاد الضغط لكى يبقى التحالف الغربى فى وحدة واحدة يكون لأمريكا فيها دور القيادة، بعد أن زالت أو انحسرت دوافع الأمن بسقوط أو تفكك الإتحاد السوفييتى. كما يرى الفرنسيون لذلك ضرورة تحقيق التوازن الأمريكى الأوروبى.. ذلك أن التهديدات فى أوروبا لم تنته، وإن كانت طبيعتها قد اختلفت.

وهكذا، فإن العالم يمر اليوم بمرحلة «انتقالية»، من نظام ساد فى نهايه الحرب العالمية الثانية، نحو نظام جديد ينكشف أمامنا ببطء.. تبرز سماته فى سيادة الديمقراطية السياسية، وتحرير التجارة العالمية، ووقف انتشار الأسلحة النووية.
ومع قيام التكتلات الاقتصادية: الأمريكية والآسيوية والأوروبية، واختراق نفوذ القوى الكبرى جدار المجتمعات المتقدمة وغير المتقدمة.. يختفى العدو الأساسى وتزول الحدود الدولية، ويتحول الصراع إلى العالم الثالث لتسود فيه «خلافات الحدود»، و«المواجهات العرقية»!

ولقد كان من المتوقع فيما أبدى حافظ إسماعيل أن تُبنى خلال عام 1991 اعتبارات الاستقرار, وأن يتم فى عام 1992 (عقب انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية) استكمال الاستقرار بحيث يشهد العالم استقرارًا سياسيا فى عام 1993، ومن ثم تخفيف عبء الإنفاق العسكرى لتنطلق المجتمعات نحو السلام المنشود.

هذا وفى ضوء الاحتمالات المستقبلة، وضعت الإدارة الأمريكية للديمقراطيين، أهداف سياستها فى:
-1 الإصلاح الإقتصادى، بعد أن صارت أمريكا أكبر مدين فى العالم.
-2 بناء الديمقراطية.. وتحبيذ اقتصاد السوق فى هاييتى وشرق أوروبا وروسيا، وهزيمة ما يسمى بالطغاة العالميين.
-3 إعادة بناء القوات المسلحة، وقاء لتأمين المصالح الحيوية فى ضوء التغيرات العالمية، وانتهاء التسليح النووى فى كل من كوريا الشمالية والعراق.
-4 واتساقا مع ما أعلنه بيل كلينتون فى حملته الانتخابية، فإنه مع توليه المسئولية فى البيت الأبيض، وضع البرامج التالية:
-1 خفض قوة الحكومة من الأفراد بمقدار 25 ألف وظيفة.. خلال خمس سنوات.
-2 تحقيق التكتل الاقتصادى «نافتا» وتحرير التجارة العالمية.
-3 دعم الديمقراطية داخل روسيا، والتصدى للدول التى لا تستجيب لقيمها.
-4 خفض القوات الأمريكية بنسبة %30، وتشكيل قوة برية من 10 فرق حسنة التدريب، خفيفة الحركة إستراتيجيا، وإغلاق القواعد العسكرية، وإبرام اتفاقيات عسكرية مع الدول فى داخل المناطق الإقليمية.. متضمنة إنشاء مخازن للأسلحة والذخائر بها.
وكان وراء هذا التقدير، تعديل فى أسلوب مجابهة الاتحاد السوفييتى (سابقا)، بأن يستبعد احتمال خوض حربين صغيرتين فى الوقت نفسه، لتكون واحدة تلو الأخرى.

وقد ارتبط مع خفض الإنفاق على القوات التقليدية، إبرام معاهدة بين القوتين الأعظم لخفض الترسانة النووية، ودراسة وسائل منع حدوث الحرب بطريق الخطأ بخفض كل من الدولتين الرؤوس النووية الموجهة ضد الأخرى.

وفى منتصف عام 1993 تخلت أمريكا عن مشروع «الدفاع الإستراتيجى»، والتفكير فى الانتقال من التجنيد «الإجبارى» إلى «التطوع»، فى إطار ضغط التسليح ورفع مستوى كفاءة القيادات.

أما عن موقف أمريكا من الأمم المتحدة، فإن التعاون معها يكون بما يحقق المصلحة الأمريكية، وألاَّ تعتمد أمريكا على التحالفات القائمة، ولكن بتشكيل تحالف يناسب كل تهديد.. وأخيرا فإن أمريكا ستكون مستعدة للعمل بمفردها، شريطة أن تعرف طريق الخروج قبل التورط فى الأزمة.

وحتى تضمن الولايات المتحدة استمرار حريتها مستقبلا فى إلقاء دروس على الأمم المتحدة، دفعت بليون دولار من دينها كعضو فى المنظمة الدولية ومن نصيبها تكاليف قوات حفظ السلام.
(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك