رجائى عطية

من أرشيف الذكريات ( 149 )

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

فى 7 مايو 1993، كتب حافظ إسماعيل مقالاً للأهرام عن مهمة مصر نحو السلام فى عهد عالمى جديد لا يخلو من المصالح وما تفرضه من تلاطم..

الوضع الآن: إستلم الحزب الديمقراطى الحكم مع بدء ولاية بيل كلينتون فى يناير 1993، والشرق الأوسط وإن إحتل أهمية عظمى للغرب بعامة، إلاَّ أن هذه الأهمية صارت خاصة للولايات المتحدة التى تراكمت مصالحها فى اتجاه:

توسيع نطاق الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط التى تحتل دورا هاما بين ثلاث قارات.

تأمين مناطق إنتاج البترول فى الخليج العربى الذى يمثل ثلثى إحتياطى العالم، مصدر الطاقة للحضارة الغربية، وتأمين خط المواصلات بين مناطق إنتاج البترول وساحات استهلاكه فى أوربا والولايات المتحدة واليابان.

ضمان أمن إسرائيل، الذى تزايدت أهميته للولايات المتحدة مع أهمية مناطق إنتاج البترول وخطوط مواصلاته التى صارت مهددة بعد هزيمة العراق وسعى إيران لاحتلال جزر الخليج العربى، وإعادة تسليح قواتها بمعاونة روسيا والصين، وتجاوز نشاط إيران لخارج حدودها فى السودان ولبنان وفلسطين، مدعمة بالتيارات المتطرفة.

ولمواجهة هذا التهديد، قامت الولايات المتحدة بتكثيف وجودها فيما يرصد حافظ إسماعيل ونظمت مناورات مشتركة مع القوات الكويتية، ودفعت بقوات إلى الصومال مدعمة من الدول العربية الإسلامية والغربية لإحلال السلام فيه، ولم تنسحب القوات الأمريكية إلى قاعدة كيسمايو وتسلم القيادة للأمم المتحدة، إلاَّ بعد أن اطمأنت إلى استمرار سيطرتها على هذه المنطقة الإستراتيجية.

ومن ناحية أخرى فإن الحرب فى يوغوسلافيا فرضت نفسها على الموقف الدولى، فكان إيفاد ممثلين لأمريكا وبريطانيا للوساطة، وإرسال قوة دولية ضمت وحدات بريطانية وفرنسية وإسلامية.. إلاَّ أن ذلك لم يفلح فى وقف الحرب والقبول بخطة فانس أوين.

ومراعاة للحاجة لتعاون روسيا، وعدم توريط تركيا واليونان، كان إنشاء مناطق آمنة للمسلمين أو رفع حظر التسليح عنها لتمكينها من الدفاع عن نفسها.. مع دراسة توجيه ضربات جوية للمدفعية الصربية، فى الوقت الذى قررت فيه فرنسا سحب قواتها.

***

وفى قلب هذه المنطقة الملتهبة، وجدت مصر نفسها بحكم موقعها الجغرافى وتاريخها الممتد وحجمها مسئولة هن اتخاذ موقف إيجابى وبناء..

لقد فطن نابليون إلى أهمية مصر ووصفها بأنها «أهم دولة فى العالم» وهى قد اضطلعت بدورها فى نشر ثقافة العصر وقيم الثورة الفرنسية التى اتصلت بها..

وخلال مشوار طويل، ألقت مصر بإمكانياتها المتعددة المادية والروحية لتحقيق تحرر الأقاليم العربية من الاستعمار الغربى، وتطوير مجتمعها، ثم إقامة كتلة عدم الإنحياز بين القوتين العظميين، بقيادة تيتو ونهرو وعبد الناصر..

تحملت موارد مصر بهذه الأعباء، ومرت بمراحل ضيق سياسى وإقتصادى، بعضه إن لم يكن أغلبه بتبدير خارجى مما أثر على الاستقرار الداخلى.

واستعادة هذا الاستقرار لن يكون صعبا فيما ارتأى حافظ إسماعيل إذا ما أُحسن التصدى لأسبابه، بمعاونة القوى الصديقة عربية وغير عربية.

بتخفيض العبء الإقتصادى الناشئ عن الديون الخارجية إرساء ظروف التطور الديمقراطى..

وتحقيق ذلك لازم لاضطلاع مصر بمهمتها نحو السلام فى هذا العهد العالمى الجديد، والمتلاطم.. وهى فى إطار « الدبلوماسية الوقائية » من اجل صناعة السلام العادل، قد تحركت فى إطار الاعتراف بالسيادة التامة للدول العربية فوق أراضيها، وحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره، ليتحقق سلام فى المنطقة لا يقوم على اغتصاب الأراضى أو المياه، ولا يحتاج لمخازن أسلحة أمريكية فى إسرائيل التى يتعين أن تغير أهدافها وممارساتها بدلاً من استمرارها فى خدمة مصالح الدول الكبرى بالمنطقة!

لقد شاركت مصر بقواتها فى قوات الأمم المتحدة التى أرسلت إلى كل من «الصومال» و«البوسنة».. فى إطار مهمة تسعى لوقف الحرب الأهلية الدائرة فيهما، وحماية قوافل الإغاثة الدولية المرسلة للشعوب المحاصرة.. وتطبيق قرار حظر السلاح ونزعه..

على أنه من المهم فيما نبه حافظ إسماعيل ألاَّ تقتصر مهام مصر على المهام السياسية والعسكرية، بل يجب أن تجاوزها إلى المجالات الاقتصادية والثقافية توثيقا لعلاقات البلدان المعنية بالدفاع وتحقيق السلام..

ومن الضرورى أيضا، فيما حذر، ان لا تعتبر القوى العظمى أن مصر قد أضحت «قوةً مسلمًا بها».. يُدفع بها هنا أو هناك حيث لا تخدم مصالحها الحيوية.. ولن يتحقق ذلك ما لم تتميز السياسة المصرية بالثقة والفهم، والتيقظ بثقة أيضا للفت أنظار الآخرين إلى أن العلاقات المصرية بهذه القوى، لن تكون إلاَّ على أساس المصلحة المصرية التى تكفلها أن تكون المنفعة متبادلة فيما يتخذ من قرارات أو سياسات أو مهام.

شارك الخبر مع أصدقائك