رجائى عطية

من أرشيف الذكريات (133)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

تحقيقًا للإسترتيجية الأمريكية، دعت الولايات المتحدة وإسرائيل، للاتفاق على المستوى الثنائى حول عدد من السياسات والإجراءات التى تحقق التعاون بين الولايات المتحدة وكل من هذه الدول المدعوة للاتفاق. وعلى هذا أبرمت الولايات المتحدة اتفاقية مع إسرائيل تنظم بمقتضاها «مجلس تنسيق» على مستوى وزراء الدفاع، لمتابعة تنفيذ التعاون فى الميادين المتفق عليها، وتشكيل عدد من جماعات العمل التى تختص بمسائل التعاون العسكرى والمشروعات التدريبية وتنسيق العمليات وإنشاء التسهيلات العسكرية والتعاون فى مجالات البحوث وتطوير الأسلحة وتجارتها.

وفضلا عن أن هناك ما ينبئ بوجود تفاهم أمريكى سعودى، وترتيب لمشاركة الأردن التى نصت فى تشكيل قوة ضاربة منقولة جوا لأستخدامها فى حالة الضرورة فى منطقة الخليج، فإن مصر وافقت على منح الولايات المتحدة تسهيلات بحرية وجوية فى فى رأس بيناس على البحر الأحمر أساسا فى ظروف تهديد أمن جوية لأى من دول الخليج وبناء على رغبتها.

وهنا، فتح حافظ إسماعيل ملف المساعدات المدنية التى تقدمها الولايات المتحدة لمصر، والبالغة آنذاك 1983 بليون دولار سنويا، وتتلقى مصر مساعدات عسكرية تبلغ قيمتها فى عام 1984 ما بين 1365 و1395 مليون دولار، منها 545 مليون دولار كمنحة لا ترد، والباقى قرض يسدد على أقساط سنوية بفائدة %16.

وينبه حافظ، ومسئولون مصريون، إلى أن الأمر على هذا النحو يعنى أن تبتلع خدمة الدين العسكرى خلال عدة أعوام كل إعتمادات المساعدة المدنية المقدمة.. ولذلك طلبت مصر أخيرا اعتبار المساعدة العسكرية كلها أو بعضها منحة لا ترد، إلاَّ أنه من عير المتوقع الحديث فى نوفمبر 1983 أن يتحقق ما تطلبه مصر.

وينعطف حافظ إسماعيل هنا، على الخبرة المستمدة من التعامل مع السوفييتى، عندما كنا نتلقى فى السبعينات احتياجاتنا من التسليح والمعدات العسكرية من الاتحاد السوفييتى، وآنذاك منحت مصر تسهيلات بحريو وجوية، وذلك إرتباطا بالوضع فى الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض آنذاك فى أعقاب حرب يونيو 1967، لتحييد السادس الأمريكى.. وكانت تسهيلات قد منحت على أساس أتفاق عسكرى بين وزراتى الدفاع المصرية والسوفييتية، وذلك لخمسة أعوام انتهت أوائل 1973، وجرى تجديدها فترة ثانية، حتى ألغيت فى ظروف انهيار العلاقات بين البلدين بمنتصف السبعينات.

أما المشتريات العسكرية، فكانت اعتبارا من 1967 حتى عام 1972، تحتسب قيمتها على أساس %50 من ثمنها الأصلى، بفائدة %2 فقد (لاحظ الفرق)، إلاَّ أنه فى صفقة 1973 عقب قيام الرئيس السادات فى يوليو 1972 بإنهاء الوجود العسكرى السوفييتى احتسبت موسكو القيمة كاملة (بدلا من %50) وعندما سار الدين العسكرى عبئا على اقتصاد مصر طالبت بإعادة جدولته، وكان عدم رضائنا عام 1975 عن تقدمات السوفييت دافعًا لاتخاذ قرار التوقف عن الدفع.

وهكذا، فإنه نشأ عن أتساع مساحة العلاقات المصرية السوفيتية، ما أدى إلى تعدد نقاط الاحتكاك، ومن ثم إلى الصدام فى النهاية، بإنهاء وجود المستشارين العسركيين ثم باستبعاد المشاركة السوفيتية فى ترتيبات أتفاقتى فض الاشتباك الأولى والثانية، مما أدى فى النهاية وهذا درس التاريخ إلى تردى العلاقات إلى ما دون مستواها الطبيعى.

تعديل هيكل العلاقات

وعلى هذا، صار الكثيرون يخشون أن تكون ساحة العلاقات المصرية الأمريكية قد امتدت إلى «حدود السلام»، مما أصبح يدعو وتحذير حافظ يرج إلى نوفمبر 1983ـ إلى إعادة التكامل فى حجم وطبيعة هذه العلاقة وإحداث تعديلات تحقق قدرًا أكبر من التوازن، وكمقدمة لتعديلات آخرى مماثلة على امتداد الساحة العربية، للحد من عدم توازن العلاقات، هنا وهناك.

بداهة أن «التكافؤ» فى العلاقات مع القوى الأعظم مطلب صعب أن لم يكن مستحيل التحقق، إلاَّ أن التميز فى علاقاتنا الأمريكية، واتجاهنا للعالم الغربى بعامة لتوفير احتياجات قواتنا المسلحة من العتاد والسلاح المتقدم، سواء باستيراده أو بتصنيعه، يفرض أوضاعًا ربما طمأنت منها تصريحات وزير الدفاع المشير أبو غزالة آنذاك التى أكد فيها (1983/10/14) أن مصر لم تتعرض لأية مساومات أو ضغوط حول مطالبها من السلاح الأمريكى، أو لأى حصار أو ضغوط لتجنب سياسة تنويع مصادر السلاح، وتأكيده أن المساعدات العسكرية الأمريكية غير مشروطة، وأن مصر حريصة فيما أكد وزير الدفاع على عدم إقحام نفسها فى الصراعات الأمريكية السوفيتية.

بيد أنه لكى نحقق هذه السياسة، وضمنًا لها فإن الواجب فيما يعرب حافظ إسماعيل أن نجرى تعديلا فى هيكل علاقاتنا الأمريكية، من خلال تدرج يتلافى فى «الصدمات الكهربائية»، ومن منطلق الصداقة لا المواجهة.

خطوات على طريق السلام

ومع الأمل فى أن تهدأ العاصفة التى تجتاح العالم والحديث فى نوفمبر 1983 وتجتاح منطقتنا بصفة خاصة، وأن تتفاهم القوتان الأعظم على توافق بدل المواجهة، فإن المأمول أن يشمل هذا التوافق (الذى لم يحدث إلاّ لينتقض) التحرك الفاعل نحو السلام فى الشرق الأوسط، وان يقترن بناء السلام بتصفية بؤر الصدام، وأن تلعب أوربا دورًا اكثر نشاطا فى هذا الاتجاه.

خمس سنوات عجاف

واقع ما أبداه حافظ إسماعيل كان أقرب إلى النداء والتحذير إلى الأمل والأمانى، وهو لذلك قَضَّى تحت هذا العنوان ببيان أن الخمس سنوات الأخيرة كانت سنوات عجافًا، فلا ثم توطين اللاجئين الفلسطينيين، أو تمكينهم من العودة، ولم يُشْفع تدبر العراق ولبنان بمحاولات لإعادة بناء ما لحقهما من دمار (نراه يزداد الآن 2014).. ولاحصل إسهام فى المشروعات الكبرى التى يمكن أن تخدم المنطقة بأسرها.

ظنى أن هذه الكلمات لو تلقيناها بالتقدير منذ أبداها الرجل عام 1983 لكان الحال الذى بتنا نعانى فيه غير الحال.

لقد ختم حافظ إسماعيل مقاله بالعودة إلى مهام تحقيق «الأمن القومى» لمصر والعالم العربى، مبديا مقترحاته:

وضع الأفكار التى يستقر عليها الرأى فى إطارها التنفيذى المحدد.

متابعة تنفيذ الحركة المصرية العربية، وتنسيقها وتعديل ما يلزم تعديله من خلال التقدم بالتجربة، موضوعًا فى الأعتبار أن أمور الحياة لا تكون رهن إدارة طرف واحد.

إن رحلة كفاحنا، فيما تخيم، ليست «نزهة» نروّح بها عن أنفسنا، بل هى معركة بكل معنى الكلمة.

ولا شك أن نجاح هذه المعركة يعتمد على صلابة جبهتنا الداخلية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية..فضلا عن قوتنا العسكرية، وعلى هذا فإن صلابة الجبهة الداخلية التى تصب فى جميع الأصعدة، سيظل يحتل الأسبقية الأولى على ما عداه.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك