من أرشيف الذكريات (106)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية :

تلقيت فى مستهل عام 1987، اتصالاً هاتفيًا من الزميل الأستاذ فتحى رجب المحامى والمستشار السابق، نقل إلىّ فيه أن الأستاذ الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب يرغب فى لقائى، لتوكيلى عنه فى قضايا كان يتولاها الأستاذ الدكتور احمد فتحى سرور الذى توقف عن العمل بالمحاماة لدى تكليفه بحقيبة وزارة التربية والتعليم، ويعرض أن يأتينى بمكتبى فى الموعد الذى يطلب تحديده.

لم أجد من اللائق أن أكبد الدكتور رفعت المحجوب الاتيان إلى مكتبى وعرضت أن ألقاه بمنزله، فقد تلقيت العلم على يديه لمادتى الاقتصاد السياسى والنظم الاقتصادية عام 1955 أيام أن كنت طالبًا بالسنة الأولى بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وكان عائدًا لتوه إلى البلاد بعد الحصول على الدكتوراه فى الاقتصاد السياسى من باريس.

لفت نظرنا نحن الطلاب آنذاك، أن لغته العربية رفيعة المستوى، وأضافت عربيته الفصحى صعوبة فى الفهم عنه لمادة الاقتصاد السياسى العويصة أصلاً.. ولم تتح لى فترة الدراسة الاقتراب منه، ولكنى عرفت بعد تخرجى فى حقوق القاهرة عام 1959، أن له نشاطًا سياسيًّا ملحوظًا ضمن أساتذة حقوق القاهرة الذين تعاونوا مع النظام السياسى آنذاك، وصار لهم دور ملحوظ برزت فيه أسماء الدكتور صوفى أبو طالب، والدكتور طعيمة الجرف، والدكتور لبيب شقير، والدكتور رفعت المحجوب، وآخرين. ولم أكن معنيًا آنذاك بشىء من ذلك، فبعد عام ونصف من انخراطى فى المحاماة، وجدتنى ضابطًا بالقضاء العسكرى بالقوات المسلحة، ولم يكن مسموحًا ولا يزال لضباط الجيش بالعمل السياسى، بيد أنى كنت أتابع من بعيد، وأعرف أن نجم مجموعة أساتذة حقوق القاهرة بزغ مع النظام منذ الحقبة الناصرية، وأعرف أن ميول الدكتور رفعت المحجوب الاشتراكية ومهاجمته للأثرياء الذين أطلق عليهم تعبير «القطط السمان» قد عكرت الجو بينه وبين الرئيس السادات، وأن نجمه عاد للبزوغ فى بداية ولاية مبارك الذى قْيل إنه تلقى دروسًا خاصة على يديه فى الاقتصاد السياسى منذ عين نائبًا للرئيس السادات، وقد بدأ نجم الدكتور رفعت فى البزوغ منذ اضطلاعه فى الاتحاد الاشتراكى بأمانة الفكر، فقد كان ذا شخصية متميزة، مالكًا لنواصى العلم واللغة، ومنذ بداية ولاية مبارك أخذ يحتل مكانة زادت عراضتها حتى تولى رئاسة مجلس الشعب، وكان ذلك محل جدل كبير.. فقد كان عضوًا بالتعيين، ولم يدخل البرلمان بالانتخاب، والواقع أن هذا الموقع كان موعودًا للدكتور فؤاد محيى الدين، ولكن منعه هاتف الموت الذى داهمه بمكتبه برئاسة الوزراء، وبدا انه لم يكن هناك بديل عن الدكتور رفعت لشغل رئاسة مجلس الشعب التى اختطف الموت الموعود بشغلها، وحلا لبعض أعضاء البرلمان من الحزب الوطنى أن يتحفظ على اختيار عضو بالتعيين لرئاسة المجلس التشريعى الأول، بيد أن الرئيس مبارك رد عليهم بدعابة ثقيلة، بأنهم جميعًا معينون.. ومع أن العبارة بدت كدعابة، إلا أنها كانت تصادف واقع الحياة السياسية وتحكم الحزب الوطنى الحاكم فى خريطة الانتخابات البرلمانية تحكمًا استدعى دعابة «التعيين»!

لم يكن لى صلة آنذاك بالدكتور رفعت المحجوب، وان لم يمنعنى ذلك عن ان أسطر مقالين كبيرين تعليقًا فى أولهما على أدائه فى رئاسة مجلس الشعب، وضربه لمبدأ حياد المنصة، نشرته جريدة الوفد المعارضة، فى 1985/9/19، وألحقته بمقال آخر عن السلطة التشريعية بين حياد المنصة وأقنعة الديمقراطية المتغيرة , نشرته الوفد أيضًا فى 1985/10/17.

وكان هذان المقالان، اللذان هاجمت فيهما الدكتور رفعت المحجوب، فى مقدمة ما توارد إلى خاطرى حين عرضت على الزميل الأستاذ فتحى رجب أن ألتقى بالدكتور رفعت مساء فى سكنه على نيل القاهرة. ومنذ تحدد الموعد، وطوفان الذكريات ينهمر منذ أيام التلمذة، وعبر قرابة ثلاثين سنة منذ تخرجت، كنت قد عرفت من الصديق الحبيب الأستاذ أحمد الخواجة نقيب المحامين، أنه والدكتور رفعت قد تخرجا فى سنة واحدة سنة 1948 بحقوق القاهرة، ضمن دفعة كان الأول فيها الأستاذ الدكتور العالم الفقيه الجنائى محمود نجيب حسنى، وكانت الصلة متينة قوية بينهم، ومن الأستاذ أحمد الخواجة عرفت جانبًا عن بدايتهما الوفدية هو والدكتور رفعت المحجوب، وعرفت أن الصداقة بينهما صداقة خاصة وحاضرة ربطت بينهما بحبل متين، وبدا لى غريبًا للوهلة الأولى ألاَّ يستعين الدكتور رفعت بصديقه الصدوق الأستاذ أحمد الخواجة، فقد كان محاميًا ضليعًا وتبوأ موقع النقيب بكفاءة واقتدار لم يطمسا قط على كفاءته المهنية.

حين تأملت، بدا لى أن الموقع السياسى الذى فضله الأستاذ أحمد الخواجة، لحسابات العمل النقابى، كان هو سبب إيثار الدكتور رفعت ألاَّ يدفع إليه بقضايا لها حسابات سياسية ربما أحرجت الطرفين، الموكل والوكيل. ومع ذلك بدا لى أن حقوق القاهرة التى ينتمى إليها الدكتور رفعت، حافلة بأساتذة متميزين فى المجال الجنائى فى مقدمتهم أستاذنا الدكتور الفقيه محمود نجيب حسنى، وإن كان مقلاًّ فى المحاماة، والأستاذ الدكتور مأمون سلامة، وكان له حضور كثيف فى المحاماة. على أن شاغلى الأكبر وأنا فى طريقى بمساء أحد الأيام إلى لقاء الدكتور رفعت، هو ما كتبته ضده سلفًا عام 1985، وماذا عسى أن يقال إذا ما فُتح هذا الموضوع.

فقد حفظت للرجل دومًا ولا أزال أنه كان الأستاذ الذى تلقيت العلم على يديه إبان الدراسة، وشعرت بحرج شديد أن ألقاه بعد أن كتبت ما كتبته انتقادًا له، ولكنى تركت الأمور للمقادير، يحدونى أن اختياره لى لتولى قضاياه، يعنى أنه قد تجاوز هذا الموقف، وأنه لم يترك لديه ضغينة!

إلاَّ أن ما فجأنى، هو تعليق الدكتور رفعت المحجوب على ما كتبت إنتقادًا له، فقد رأى فيه جانبًا أكبره فيه، أننى فى انتقادى أعطيته حقه أو عذره فى مخالفة مبدأ حياد المنصة فى إدارته لجلسات مجلس الشعب، بأنه يملك علمًا ولغة وأداء لم يجد ضمن أعضاء الحزب الوطنى بالمجلس من يجمع نواصيها ويملك بمقتضاها القدرة على المصاولة فى النقاشات البرلمانية الساخنة، وأنه مع تلاحق المصاولات وتركه المنصة أكثر من مرة، رأى وقد يكون العذر معه أن الأمر سيطول فى تكراره ترك المنصة حينما يريد الإدلاء برأيه، فاختصر الأمر ومضى يبدى آراءه وهو جالس على المنصة، خلافًا لما يفرضه مبدأ حيادها.

مضى الدكتور رفعت فى لقائى معه، يشكر ما إرتآه إنصافًا له، ويبدى أنه كان يود أن يتصل بى لشكرى على ما كتبته، لولا ان زوجته رحمها الله كانت وقتها بالعناية المركزة. ولفتنى قبل أن نعرج على القضايا التى يود توكيلى فيها، أنه لا ينادينى وأنا تلميذه إلاَّ بلقب الأستاذ، ولم يعدل عن ذلك قط طوال علاقتى به التى امتدت ليوم إغتياله رحمه الله فى أكتوبر 1990.

(يتبع) 

شارك الخبر مع أصدقائك