رجائى عطية

من أحوال الإنسان في رحلة الحياة!(3 – 3)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

قد تتصور غالبية الناس أن البشر منذ بداية الخليقة للآن ـ علي ذات الدرجة من الإدراك والفهم بعامة .. وهذا تصور يجافي الواقع، فالهمجية كانت هي البدايات الأولي للبشرية  .. ندرك ذلك حين نتأمل قول الحق جل وعلا : »وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ❊ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا«.. فالفجور هو الهمجية التي كانت تسود الكل في الماضي البعيد جدا جدا.. ثم نبتت بعد ذلك التقوي خطوة خطوة.. بهدوء وإيمان.. علي قدر ما أفسح منه الزمن ـ مع الزيادة المتتابعة للأجيال في الإلتفات والإدراك من خلال تزايد الإنتباه ثم الرشد في العصور والقرون المتتابعة.. فمع توالي الزمن بعوامله وظروفه تزايد الفريقان عدداً بنسبة أفراده .. فزادا عدد المتنبهين وزادت مداركهم وعقولهم اتساعا علي قلتهم، وزاد عدد الجهال والحمقي علي كثرتهم التي لا تزال كثيرة حتي اليوم !.. لكن قد وضح بجلاء، ومن قرون طويلة ماضية، وجود العقلاء وتأثيرهم وآثارهم الإيجابية الطيبة إلي جانب أوشاب وأغلاط الكثرة الكاثرة التي تجمع في عين الواعي المدقق أخلاط الخلق من الفجرة والطغاة والظلمة والقساة والأنانيين والخبثاء والطامعين والجشعين ومن في خدمتهم من الحمقي والأوغاد والأنذال والساقطين!!
 
وقلما يشعر الآدمي .. الآن وقبل الآن إلي الماضي الغابر.. بالرغبة في الاتجاه بصدق وإخلاص وإخبات إلي الخالق جل شأنه.. إذ تلتهمه دنياه التهاما حتي في صلاته وصيامه.. وهذا داء عضال ساد إلي هذه اللحظة.. فلم يتعلم الآدمي قط معني الرغبة في الخالق عز وجل حتي في عباداته .. لأنه لم يتعلم ولا يتعلم هذه الرغبة لا عن أبويه ولا من مؤدبيه.. هذه الرغبة التي كلها انتباه إلي خالقه من جانبه فيما يجريه ويرفضه وما يأخذه ويعطيه وما يتجنبه في دنياه خلال حياته مدة رشدها.. ولو فطن البشر إلي الاستمساك بهذه الرغبة ـ لما عانوا ما يعانون حتي الآن من ظلم الظالم وهوان المظلوم اللذين يعرضان البشرية قاطبة للهلاك!
 
وفيما عدا رجال الدين المقيدين بعهود إلي نهاية العمر ـ لا يعرف الآدمي حتي الآن إلا أن حياته صعود من ضآلة إلي قمة ونزول منها إلي نهايتها .. ولذا يستعجل كل منا ما استطاع طمعا منه في قمة عمره لينزل بكهولته وشيخوخته إلي زو اله .. مرد هذا أن حياة الآدمي ليست بالضبط كما تصورها آباؤنا وتصورناها نحن منهم ..  فالحياة مرجعها في واقعها الجاري إلي طراز معيشة كل منا فقط فيما اعتاده من مأكل ومشرب وعمل ولهو ويقظة ونوم ، يصب في هذا الاعتياد تقلص عواطفنا وتمددها النسبي وما يصحب هذا أو ذاك من الهدوء أو التفكير ، والشبع أو الجوع ، وما نسميه الصحة أو المرض والعافية ، أو الضعف والقوة ، أو الجفاء والوداد ، أو العداوة والوئام ، أو الحرب والسلام .. كل هذا أحوال وظروف متغيرة ، ليست حتمية ولا مفروضة ولا مكتوبة ، وإنما نتناوبها في رحلة حياتنا بحكم الإعتيا !
 
ويبدو أن الآدمي القديم ـ علي الأقل في أوائله ـ لم يكن إلا صياداً في الأرض أو في الماء .. قد لا يفرق في صيده وقنصه بين صيد الآدمي وصيد الحيوان مما يصادفه في تجواله الأيام والليالي الطويلة .. يحفظ خلالها ما يصطاده في باطن الرمل أو في لفح الشمس الشديد للحيلولة دون فساد لحم ما اصطاده .. فلم يكن الآدمي القديم كثير النسل ، ولم يكن لذلك قليل العمر .. ربما لبساطة مأكله ومأواه .. ولم يعرف لذلك ما نعرفه نحن من قمة الحياة وتدهورها من القمة للعودة إلي السفح!. لأنه لم يكن كثير النسل ولا لصيقا بالإناث .. فلم يعرف الآدمي ذلك إلا حين عرف استئناس الحيوان لاستخدامه ورعيه وأكله ، وعرف إلي جواره جدوي الزراعة في زيادة المأكل واتساع المسكن والاقتراب من الإناث وبالتالي كثرة النسل ،  فقل حجمه وتضاعفت حاجاته وزادت لوازمه وامتدت أطماعه مرات ومرات ، وباتت حياته محدودة نتيجة ذلك إذا قيست بحياة أولئك الصيادين الأوائل .. صارت محدودة بحدود الصغر والشباب ثم الرجولة أي القمة والكهولة والشيخوخة!
 
وقد تضخمت الآن هذه الحدود ، وتضخم معها كل شئ غير العقل والعفة والإيمان .. تضخمت الآن في الجماعات البشرية ـ الموارد والصناعات والاقتصاد والأموال ، وتضخم الطمع والجشع والغرور الهائل السائد من القاع إلي القمة ، وتضخمت المعرفة ومعها استنزافها واستغلالها فيما لا يجوز ولا يصح ولا يعقل أن يستخدم في عالم الإنسان دون ما ضرورة أو مبرر .. اللهم غير الأنانية البشعة التي أصابت الكل .. غرق في لججها من أحرز التقدم والساعي في الطريق إليه ، ولم يفلت منها المتخلف المتأخر الذي بدوره يحاول بالتقليد أن يلحق بالركاب!
 
صار الزحام الشديد في أيامنا ، وإنبهام المثل والأخلاق والقيم  ـ يستوجب إيجاد توازن فعلي صارم بين المواليد والوفيات ، ويستوجب العناية الصارمة بالعجزة غير القادرين علي أي عمل جاد ، كما يستوجب العناية الصارمة بكل من أقعده المرض أو العاهة عن كل عمل يمكن أن يقيله في مرضه أو عاهته ، ويستوجب الإقلاع عن نظام المعاشات وما فيه من تسريح الأصحاء المجربين القادرين لمجرد تجاوزهم سنين معينة ! .. لكي يتسكعوا !.. هذا النظام يؤدي إلي صراع وربما إقتتال بين الشباب وبين كبار السن علي المراكز والأشغال .. وهو محض عبث وفتنة وإضرار بالنفع العام .. يتزايد للأسف آليا باستمرار كعرف ثابت طال واستمر أكثر من مائه سنة .. وقد عجز الآن حتي عن مواجهة تعطل الشباب الذي أضيف إلي تسكع اغلب أصحاب المعاشات!
 
لا تلبث العادة إذا سادت ـ أن تعطل نشاط الفكر وتحل محله ، وتوقف المراجعة وتحل محلها الركود والتأخر الحامل لبذرة الفناء ، ولكن مخاطره الآن علي نطاق أوسع لم يسبق له مثيل بسبب وسائل الدمار الشامل التي لم تنجح البشرية حتي الآن في حصرها أو منع الزيادة في انتشارها في عالم بات يصرخ الآن من تفشي هذا البلاء الذي صارت حيازته قبلة للكل .. لا يتأخر أي منها عن التهديد والوعيد به ، أو إستخدامه إذا أتيحت له الفرصة  لفرض سطوته وتحقيق أطماعه .. غير مبالٍ  بما يمكن أن يحيق بالبشرية كلها من هلاك!
 
ليس معنا مع حضارة اليوم الهائلة والتقدم الغير مسبوق ـ إلا مخاوف وظنون كلها شبهات وشكوك سيئة وحيل شيطانية واسترابات في استراقات وخطف ونهب لا يمكن أن يعيش مسلوبه بين مجازفين ووارثين وطائشين وحالمين ومقامرين ومضاربين .. بلا عقل يغنمون ثم يخسرون ثم يختفون ليحل محلهم أمثالهم في المزيد من التجميع والتكويم ثم الفناء الذي ليس بعده بعد !  .. ويبدو أنه لا جدوي من التذكير بهذا البلاء المستحكم الآن .. لأن عشاق هذه المغامرات في حضارتنا قد بلغوا مئات الملايين من البشر.. في المدن والقري .. وبين الرجال والنساء .. ولدي المتعلمين والجهال .. والأغنياء والفقراء .. والحكام والمحكومين .. الكل يشتهي ولا يكف عن الاشتهاء في كل سن وظرف ومكان حيثما كان!
 
ونحن نتصور هذه الدنيا أولا بحواسنا التي نشعر بالوجود بها كأنام غامضة مبهمة..  ثم بشهواتنا ثم بعواطفنا التي أخذت تدريجيا في التميز عن الشهوات .. ثم أخيرا بعقولنا التي أخذناها حتي اليوم لخدمة عواطفنا وشهواتنا ! ..
 
إذا أردنا أن ننقذ بشريتنا من هذا الفناء .. يجب علينا جميعا أن نعكس هذه الخطوات ـ لتبدأ بالعقل في كل ما نفكر فيه أو نعيه يقظي ونوام .. ثم بالعواطف بعد حذف الشهوات وأطماعها .. فتستقيم وتعتدل أنانية كل منا أو معظمنا فلا يتعرض وجود البشر للدمار والهلاك ، وعندئذ ينسي البشر الخمول والركود والتلكع والاستغناء والكبرياء والترف والبطالة والاعتماد علي الأهل أوعلي ادعاء الثروة أو التبعية للأثرياء أو علي النهب أو الخطف أو الغش أو المكر أو السقوط أو التسول!
 
ولأن المنافسة لا تكون منافسة حقيقية مشروعة إلا مع وجود الأمانة والاستقامة لدي أطرافها ، فإن وجودها بغير ذلك لا يكون منافسة إلا ظاهرا فقط .. حقيقته خديعة وباطنه غش وزيف وتدليس .. كسب الكاسب فيها أقبح من خسارة الخاسر الخادع ، وكلاهما أشنع من مصيبة الأمين المخدوع الذي ضاع كده سُدي ليربح منه الضال المضل ظلما وغشا وتطفيفا .. فالثروات الهائلة لدي أثرياء اليوم في جميع البلاد ـ  ليست ثمار منافسات أمينة مستقيمة ، وإنما جماع تدابير ومخططات وفخاخ وكمائن وحيل ومؤتمرات وعصابات ومؤامرات لا تنقطع .. يحل دائماً فيها جديد مكان قديم زال أو عجز بصورة أو أخري عن المقاومة أو المسايرة أو الاستمرار .. فالمساعي الهائلة الجادة في الكسب والاتفاقات الضخمة دولية ومحلية الاقتصادية مع الأموال التي تجمع بين الممولين المستورين وبين الشركاء الظاهرين ـ أغلبها إن لم يكن كلها مدخول مغلول داخلها .. يقود خارجها الظاهر المصارف العالمية والشركات الكبري ذات الفروع المنبثة المنتشرة في كل بلد ، بينما الداخل مطوي علي عالم آخر من التآمر والغش والخداع والاستغلال ، حتي صار لبعض الأفراد ثروات فلكية تزيد علي ميزانيات الدول ، وتتحكم في مصائر العالم ، وتقوده  بعمي ضرير إلي هلاك لانجاة منه ـ إن نجا ! ـ إلاّ برؤية ووعي وسلوك العقلاء .. ما أحري ببني البشر فيما صارت إليه أحوالهم ، أن يتذاكروا قول الحكيم الخبيـر فــي ثمـود قوم صالح : »وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ« (الأعراف:74 ) .. وصدق جل علاه إذ يقول في محكم تنزيله  : »سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ«  (الأعراف: 146) صدق الله العظيم  .

 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »