رجائى عطية

مملكة‮ ‬ الـ‮ »‬شيزوفرانيا‮«

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية

يبدو ملك الأردن، بوصفه الحكم والضامن للعملية الديمقراطية السياسية، لدولة رغم محدودية مواردها، لكنها لحساسية موقعها، جزء من تحالف إقليمي دولي، كأنه في سباق مع الزمن نحو الإصلاح.. للحفاظ علي عرشه الذي تحوطه أطماع جيرانه، بلا استثناء، منذ أن أقامت بريطانيا دعائمه 1921، محاولاً استباق ما قد يحمله الربيع العربي من تهديدات مضافة.. لا تستوعب دقة وحرج أوضاع بلاده.. المزيد منها، ما بين المنظور الإسرائيلي باعتبارها »الوطن البديل« للفلسطينيين.. ممن يشكلون نحو %70 من تعدادها، إلي وجودها في سياق خطر يرتبطا بالصراع مع إيران في المنطقة ضمن ترتيبات جيوسياسية، كعضو في مجلس التعاون الخليجي، وبتنسيق مع الولايات المتحدة وتركيا.. لمواجهة خطر صعود تهديدات.. سبق لملك الأردن أن سماها »الهلال الشيعي«، من لبنان إلي إيران مرورًا بسوريا والعراق وبمناطق في السعودية ودول خليجية، وليس انتهاءً بما دهم الأردن منذ منتصف مارس الماضي، جراء الانتفاضة الشعبية السورية.. التي من الصعب التنبؤ بمدي تأثير تطوراتها علي الدولتين الجارتين اللتين يربط بينهما تواصل جغرافي واجتماعي كبير.
 
في سياق هذه الأوضاع الأردنية الصعبة، وعلي ضوء ما يجري في المنطقة من متغيرات دراماتيكية، فقد كان من الطبيعي أن يشهد الحراك المجتمعي.. مظاهرات عديدة تحمل مطالب إصلاحية.. حاولت الحكومة التجاوب معها، إلا أن أحداث القمع الدموي في سوريا.. أشعلت مواقف المعارضة في الأردن علي اختلاف أسبابها، وإلي الحد الذي جري فيه تهريب السفير الإسرائيلي في الأردن.. يليها سواء بالنسبة للموقف من القضية الفلسطينية أو في العلاقة مع إسرائيل.. ومع دول الممانعة في المنطقة، وليحتشد المعارضين الإسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون والمستقلون، مطالبين بالمشاركة السياسية في تقرير مستقبل بلادهم، الأشبه برمانة الميزان بالنسبة لقضايا عربية وإقليمية، منددين بالأساليب القمعية للنظام السوري ضد المتظاهرين.. آخذين علي حكومات الأردن المتعاقبة.. قناعتها بأن المصالح المشتركة مع سوريا.. تستوجب التريث، حيث إن نظام »الأسد« لم يحن أوان سقوطه، ذلك علي غرار النهج النفعي نفسه الذي سبق للحكم الأردني انتهاجه مع نظام ـ صدام ـ في العراق، وأضاع علي عمان حينئذ.. ثمار سنوات ثمينة، وحيث تري المعارضة الأردنية في معظم قياداتها.. عدم موضوعية هذا النهج البرجماتي، فضلاً عن لا أخلاقيته، إذ لا ثقة في من ينادي بالإصلاح في الأردن، بينما يغض النظر عما يعتبر محرماً في سوريا، بينما هم يتشدقون بقضية فلسطين والتنديد بالصهيونية والإمبريالية، وحيث يري الممانعون »الجدد« ألا معني لدعم قوي الممانعة إن لم يكن الداعم والمدعوم.. ديمقراطياً، لا يساوم علي مبادئ حقوق الإنسان وحرياته.
 
وفي استباق من »الملك« لئلا تتطور المعارضات إلي الحد الذي يصعب احتواؤها، فإنه يبادر بتقديم المزيد من جرعات الإصلاح، آخرها تكليف »الخصاونة«، وهو شخصية بارزة بكل المقاييس، بتشكيل حكومة »نوعية« جديدة، تستجيب للأغلبية النيابية التي طالبت برحيل الحكومة السابقة، بحيث تضم الحكومة الجديدة الحركة الإسلامية ضمن صفوفها، وفتح الحوار، بعد انسداد الأفق السياسي، للوصول إلي توافقات علي الملفات المطروحة، مع اعطاء الحكومة صلاحيات واسعة من دون تدخل »المخابرات« في التشكيل الحكومي الجديد، في خطوة غير مسبوقة، بحيث تقتصر علي حدود دورها الأمني.
 
إلي ذلك، وجه »الملك«.. الرئيس المكلف.. »بمواصلة مسيرة الإصلاح والتحديث بجميع جوانبها«، كما أكد خطاب التكليف الحفاظ علي الوحدة الوطنية بعد الكثير من الخلافات والانشقاقات التي ظهرت في الشارع وبين العشائر، وأكد ضرورة إطلاق الحريات الإعلامية، إذ دون المضي في تنفيذ النظام الأردني لهذه الإصلاحات.. فقد تكون تسوية القضية الفلسطينية، وغيرها من معضلات، علي حساب استمرار مملكة »الشيزوفرانيا«.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »