شريف عطية

مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام‮ (‬9‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

لا أحب أن أنتهي من عرض البحوث المقدمة للمؤتمر البحثي عن محور العدل الاجتماعي ودوره في تحقيق الأمن المجتمعي في الإسلام ـ دون أن أعرض لدراسة بحثية قدمها الأستاذ الدكتور محمد أحمد مصطفي الكزني، رئيس إتحاد علماء الإسلام في كوردستان، والوزير السابق للأوقاف بإقليم كوردستان العراق. السبب أن هذه الدراسة انفردت بتفصيل الحديث عن مفهوم العدالة، فتناولت العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية، والعدالة الاجتماعية.
 
العدالة في المصطلح الذي عرضت له الدراسة البحثية نوعان : عدالة في الفرد، وعدالة الدولة أو المجتمع، وكلاهما متضافران في تحقيق العدل الذي يلتئم فيه عدل الأفراد مع عدل المجتمع، ولعل أفضل تعريفات العدل التي استعرضتها الدراسة، هو تعريف الحافظ بن حجر العسقلاني، الذي عرف العادل بأنه »الذي يتبع أمر الله بوضع كل شئ في موضعه من غير إفراط ولا تفريط «.
 
هذه الغاية تستلزم لتحقيق عدل الأفراد والمجتمع، عدة عناصر أولها وجود شريعة عادلة، وثانيها أن يفهم المجتمع هذه الشريعة، والثالث أن يعتقد المجتمع ـ عن اقتناع ـ أن سعادته في تطبيق هذه الشريعة واتخاذها معيارا وأساسا للعمل بمقتضاها.. ووجود الشريعة العادلة هو قوام الإسلام وركنه الركين في الكتاب والسنة.. إنصافا للحق والناس، ودرءاً للاستبداد والطغيان والمظالم.. هذه الشريعة القيمة العادلة وصفها القرآن الحكيم فقال: »إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يهْدِي لِلَّتِي هِي أَقْوَمُ وَيبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا« ( الإسراء 9 )، وقال تبارك وتعالي: »وَاللَّهُ يقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يهْدِي السَّبِيلَ« (الأحزاب 4).. وورد في الذكر الحكيم علي لسان الجن: »قُلْ أُوحِي إِلَي أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا  يهْدِي إِلَي الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا« (الجن 1، 2 ).. وأخبر القرآن المجيد أن الحق جل شأنه يأمر بالعدل والإحسان، فجاء في سورة النحل : »إنَّ اللّهَ يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ « (النحل 90) وجاء في سورة النساء: »إِنَّ اللّهَ يأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَي أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ« (النساء 58).. والآيات التي نوهت بالعدل وأمرت به ودعت إليه، عديدة في سور القرآن الكريم مما لا يتسع المجال لسرده. ولأن النصوص لا تطبق بذاتها، وإنما ينهض عليها البشر، فإن هذه النهوض يستلزم من المجتمع فهم الشريعة وأحكامها، والإلمام بمعانيها وغاياتها، لأن هذا الفهم المشترك هو قوام التطبيق الذي يتسق ويتغيا تحقيق المقاصد القرآنية في صلاح أمر الناس وأمر المجتمع.
 
والقاريء للقرآن الحكيم، المتأمل في آياته ومعانيه، يجد بيانا شافيا تكررت فيه الآيات الكريمة في إنزال العدل منزلة ملحوظة من التعظيم والإجلال والدعوة إلي الالتزام به.. يقول سبحانه وتعالي في كتابه العزيز: »وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيوْمِ الْقِيامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَي بِنَا حَاسِبِينَ« (الأنبياء 47).. ويقول : »وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يقْدِرُ عَلَي شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَي مَوْلاهُ أَينَمَا يوَجِّههُّ لاَ يأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَن يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَي صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ« (النحل 76).. وأمر جل شأنه بالعدل في آيات كثيرة منها قوله عز من قائل : »يا أَيهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ« (المائدة 8).. وتكرر في الذكر الحكيم قوله سبحانه وتعالي : »إِنَّ اللّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ« (المائدة 42، والحجرات 9 والممتحنة 8).. ونهي جل شأنه عن الظلم والعدوان فقال:
 
»وَاللّهُ لاَ يحِبُّ الظَّالِمِينَ« (آل عمران 57).. وتكرر ذلك في الآية140) ) من سورة آل عمران، والآية (40) من سورة الشوري.. ومن مثل هذا النهي، ما ورد بآيات سورة البقرة وسورة المائدة وسورة الأعراف، فيقول الحكم العدل : ” إِنَّ اللّهَ لاَ يحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ” ( البقرة 190 والمائدة 87 والأعراف 55).
 
وفي الحديث القدسي، فيما رواه أبو ذر الغفاري عن النبي ـ صلي الله عليه وسلم، أن ربه عز وجل قال: »يا عبادي إني حرمت الظلم علي نفسي، وجعلته بينكم حراما فلا تظالموا…« .. وعن المصطفي صلي الله عليه وسلم أنه قال : »يا معشر القراء (أي العلماء) استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً«.. إن استقمتم ـ أي عدلتم ـ فقد سبقتم، وإن لم تستقيموا ـ أي لم تعدلوا ـ فقد ضللتم !. وفي الحديث الشريف، أن الإمام العادل ضمن السبعة الذين يظلهم الله تعالي في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظله.. وعنه صلي الله عليه وسلم ! »إن المقسطين عند الله علي منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما وُلّوا«.
 
وعن أنواع العدالة، تورد الدراسة البحثية أنها ثلاثة : (1) عدالة في حقوق الأفراد بعضهم تجاه بعض، وهذه هي العدالة التعويضية أو التبادلية (2) وعدالة في حقوق الأفراد علي المجتمع أو الدولة، وهذه هي العدالة التوزيعية (3) وعدالة في حقوق الدولة أو المجتمع علي أفراده، وهذه هي العدالة الاجتماعية.
 
والعدل التعويضي، هو الذي يضبط علاقات الأفراد فيما بينهم من معاملات وصلات وتعاملات وأعمال ومشاركات وتعاقدات وتصرفات.. انضباط هذه العلاقات المتنوعة أساسه العدل الذي روحه المساواة. هذه المساواة ليست مساواة حسابية أو عددية وإنما هي مساواة نسبية، فلا يستوي النابه مع البليد، أو النشط مع الخامل، فالتسوية الحقة العادلة لا تساوي مساواة مطلقة بين غير المتساوين، فلا تعادل الجاهل بالعالم، ولا القاعد بالنشط، وهكذا.. هذه العدالة النسبية لا تخل بالناحية الإنسانية التي تجبر الضعف والفقر والانكسار والحاجة. فلا تعارض بين العدالة بمفهومها الذي يقدر ويضع كل شئ في موضعه، ويعادل كل شخص بما يقدمه، وبين العطاء الإنساني الذي له أدواته العديدة التي تعين كل من يحتاج إلي عون في أزمة أو ضعف أو مرض أو حاجة. في هذه العدالة التعويضية أو التبادلية لا يهدف العادل إلي ظلم الظالم الذي ظلم، وإنما يهدف إلي إنصاف المظلوم الذي وقع عليه الظلم.. وهذا هو الفارق بين عدالة تبغي الإصلاح والإنصاف، وبين إشفاء الغليل أو الثأر أو الانتقام.
 
والعدالة التوزيعية تحاجي علي حقوق الأفراد قبل المجتمع أو الدولة، وتكفل رعاية حقوقهم قبل السلطة، في إطار كفالة الحقوق والمصالح. فهذه الحقوق في ضمان الدولة، هي المسئولة عن كفالتها لأصحابها بلا عنت ولا إعنات، وقد قال الفقهاء : »تصرف الإمام من الرعية منوط بالمصلحة«، وقال الإمام الشافعي: »منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم«.. واختيار اليتيم بالذات للاستشهاد بواجب الوفاء بحقوقه، هو استشهاد حكيم بالغ الرشد والفهم لواجب الراعي قبل رعيته. وقد أُثر عن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: »إني أنزلت نفسي من مال الله تعالي بمنزلة ولي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، فإن استغنيت استعففت« .. ومن فروع هذه المساواة العادلة، أن قسمة الزكاة محرم فيها التفضيل مع تساوي الحاجات، ففيها يجب التعميم مع التسوية، وقد قال العز بن عبد السلام : »يتصرف الولاة ونوابهم بما ذكرناه من التصرف مما هو الأصلح للمولي عليه درءاً للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد.. ولا يتخيرون في التصرف تخيرهم في حقوق أنفسهم«، لقوله تعالي : »وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ« (الأنعام  152).. فإذا كان هذا في حقوق اليتامي فأولي أن يثبت في حقوق عامة المسلمين فيما يتصرف فيه الأئمة من الأموال العامة، لأن اعتناء الشرع بالمصالح العامة أوفر وأكمل من اعتنائه بالمصالح الخاصة.
 
وعليه فإن تصرفات أصحاب الولايات العامة، تنطبق عليهم أحكام تصرفات الولي عند القائلين: بأنهم يتصرفون بالولاية. وتنطبق عليهم أحكام الوكالة عند القائلين: بأنهم وكلاء عن أمتهم.
 
في هذه العدالة التوزيعية، تكمن أسباب تماسك المجتمع وقوته المستمدة من تحقيق العدالة في توزيع الثروة والوظائف والأعمال وسائر المزايا، وعلي الدولة أن تعدل في هذه القسمة ومعيار العدل هنا هو المساواة النسبية برعاية الوضع الخاص لكل شخص وظروفه المختلفة ومن حيث الحاجة والتناسب في الصفات والمؤهلات والقدرات ونوعية العمل، مع رعاية الجدارة التي يدل عليها قول القرآن المجيد:
 
»قُلْ هَلْ يسْتَوِي الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يعْلَمُونَ إِنَّمَا يتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ« (الزمر9).
 
أما العدالة الاجتماعية، فهي تعني بواجبات الأفراد قبل المجتمع، وهي كذلك تقوم علي المساواة النسبية فيما يتكفل به كل فرد أمام المجتمع.. مثلها في ذلك مثل العدل التوزيعي.. فما يقدمه الشخص لمجتمعه رهين بقدراته التي تختلف من شخص لآخر حسب المؤهل والخبرة والجدارة، والقيام بذلك واجب لا يجوز للفرد أن يتحلل منه وفاء بحق المجموع، فما يقدمه الفرد إلي مجتمعه مردود إليه في صورة المرافق والخدمات التي تقدم إليه أو تعود عليه، وفي صورة الأمن والدفاع الذي يحفظه المجموع للوطن ولأبنائه، وفي صورة إغاثة الملهوف، وعلاج المريض، وتيسير الحياة، وكفالة الأمن والاستقرار.. وقد كان المصطفي صلي الله عليه وسلم يقول: »خيركم من يرجي خيره ويؤمن شره«.
 
شيوع العدل يرسخ عادة الالتزام به والصدور عنه في كل تصرف، وقد أورد البحث من حديث رسول القرآن عليه السلام قوله: »لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتي يطلع، فكلما طلع من الجور شئ ذهب من العدل مثله، حتي يولد في الجور من لا يعرف إلا غيره«.. ومادام العدل هو الفطرة السليمة للإنسان العاقل، وواجب شرعي في الإسلام، فإنه يغلب علي الجور في النهاية.
 
بقي أن نشير تعقيبا علي هذه الدراسة، وكيما تتضح صلتها بكفالة الأمن المجتمعي في الإسلام، أن نشير إلي أن شيوع العدالة ينشر الإحساس بالرضا والاقتناع بأن الفرد مكفول الحق والرعاية في المجتمع، من أفراده ومن مجاميعه، وأن شيوع هذه العدالة يوفر له آماله وحقوقه بغير مصارعة ولا منازعة، وهذا الإحساس العام هو قوام الأمن والأمان، وغيابه يؤدي إلي النقيض بانتشار السخط وعدم الرضا بضياع المساواة وضياع الحقوق بتواطؤ المجتمع علي نصره الأقوياء القادرين الأغنياء علي حساب الضعاف والفقراء.. والرضوخ لمثل هذه الأوضاع هو رضوخ إضطراري ساخط تتراكم به في النفوس مشاعر الغضب ودوافع الاعتراض والمقاومة مما يتزعزع به أمن وأمان المجتمع. حاصل ذلك أن الأمن ليس مجرد وسيلة تداركية تقمع الخطأ وتسائل عنه لدي وقوعه أو بعد حصوله، وإنما وسيلة استباقية تقيم الأسس التي تصلح عليها أحوال الناس وتطمئن النفوس وترضي بقسمتها ما دامت تعبر عن حق يعتنقه الأفراد والمجتمع ويصدرون عنه في قراراتهم وتصرفاتهم فينال كل منهم حقه بلا تفريط ولا تحيف.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »