رجائى عطية

مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام‮ (‬7‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

يعتنق الإسلام أن إحقاق الحق والعدل بين الناس واجب يتعين علي المسلم أن يلتزمه ويحرص علي تحقيقه. والقضاء هو الحكم العدل بين الناس فيما فيه يختلفون أو يتصارعون..الشاهد عادة ـ هو عين العدالة.. لذلك عني به الإسلام، فاشترط الأهلية أولاً لأداء الشهادة واشترط فيه العدل وحضه علي التزامه.. وفي شرط العدالة يقول القرآن:»وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ « (الطلاق2)..فالعدالة شرط للشهادة، ولا يكتفي القاضي في الإسلام بظاهرها، وإنما يستوثق ويستقصي حال الشاهد، ولا ينفذ الحكم بشهادته حتي يتبين له عدله في الظاهر والباطن.. الشاهد لاتقبل شهادته في الإسلام، لأنه لايتحقق فيه العدل والحياد، إذا كان ذا هوي أو مصلحة أو خصومة أو عداوة.. وفي حديث رسول القرآن عليه الصلاة والسلام: »لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولاذي إحنة (أي عداوة) «.. فالشبهة مسقطة للعدالة، وبالتالي للشهادة، والعدالة ـ فيما يقول الفقهاء ـ شرط لقبول الشهادة لا يثبت القبول أصلاً بدونها.
 
الإسلام لايدع الشاهد لشأنه ورغباته يؤدي الشهادة أو لا يؤديها !، فالشهادة واجب، لله، وللحق.. لايجوز للشاهد أن يتخلف عن أداء الشهادة، ولا يقبل منه حجبها.. الإسلام هنا لايتخذ موقفاً سلبياً مكتفياً بوصيته في شروط الشاهد واشتراط عدله، ولا يكتفي بطلب العدل منه، وإنما يتخذ موقفاً إيجابيا في توخيه تحقيق العدالة فعلاً وواقعاً.. فيحض الشاهد علي القيام بواجبه وأداء الشهادة.. ويحذره ويرهبه ويخوفه من حجبها والقعود عنها، فيقول القرآن الحكيم فـي ذنـب ووزر وخطيئة حجب الشهادة:»وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ« ( البقرة283 ).. كتمان الشهادة كتمان للحق، والحق سبحانه وتعالي يقـول: »وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ « (البقرة 42).
 
الإسلام لايرضي للشاهد إلاّ أن يكون عادلاً في شهادته، ولا يعذره في ترك العدل مهما بلغ عذره.. لا شنآن أحد الأخصام يعذره، ولا قرابة قريب تعفيه، ولا كون المشهود به يقع عليه يقيله من واجب التزام العدل.. في القرآن المجيد: ” وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَي ” (الأنعام 152  ) .. »يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَي أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَينِ وَالأَقْرَبِينَ (النساء 135).. »وَلاَ يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي« ( المائدة 8 ).. فالشهادة شهادة للحق، ولله.. »وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ« (الطلاق2 .. ) الشهادة التي تقام لله، لابد أن تكون شهادة صدق وعدل، لذلك كان وزر الشهادة الزور وزراً عظيماً.. المسلم مأمور باجتنابها: »فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ« (الحج 30).. والبعد عن الشهادة الزور صفة لازمة وحتمية من صفات المؤمنين الذين فيهم قال القرآن: »وَالَّذِينَ لا يشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا« ( الفرقان 72 ).
 
حرص الإسلام علي تحقيق العدل اقتضي منظومة شاملة جامعة.. تعقبت النشاط الإنساني في كافة صورة وأشكاله بل ومظانه.. ولم تترك شاردة ولا واردة دون أن تضع دستورا لها يضمن السواء والعدل والإنصاف بين الناس.. من هذا الحرص الذي يحمي الآدمي من طمعه أو جموحه، وضع الإسلام ضمانات في المعاملات المدنية، فأمر بالكتابة لغلق أبواب الخلاف والخصام، ودرء الظلم والجور.. واشترط »العدل« في الكاتب مثلما اشترطه في الشاهد.. يقول عز من قائل: »يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَاينتُم بِدَينٍ إِلَي أَجَلٍ مُّسَمًّي فَاكْتُبُوهُ وَلْيكْتُب بَّينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ.« (البقرة 282).
 
واحة العدل في الإسلام تتبعت كل مظان الخلاف أو التطاحن أو التخاصم، وحضت المسلم فرداً كان أو جماعة، علي أن يكون قوة فاعلة معطاءة لإصلاح ذات البين.. والإصلاح بين المتخاصمين أو المتقاتلين بالعدل والقسطاس.. فالعدل وحده هو الكفيل بنزع أسباب الفرقة والخصام والصراع والقتال، وإحلال الأمن والسلام … »وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَي الْأُخْرَي فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّي تَفِيءَ إِلَي أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ« (الحجرات 9).
 
القضاء في الإسلام، حصن العدالة الحصين، وركنها الركين.. وظيفة القضاء فيه وظيفه  جليلة، لا يختار لها ولا ينهض عليها إلا الأكفاء المشهود لهم بالعلم والعدالة.. يقول رسـول القرآن عليه الصلاة والسلام: »القضاة ثلاثة، قاض في الجنة، وقاضيان في النار. فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضي به، وأما الذي في النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضي علي جهل«. قالوا: فما ذنب الذي يجهل؟ قال: »ذنبه ألاّ يكون قاضيا حتي يعلم«.!!.
 
أينما يولي الباحث في دوحة الإسلام، يري العدل مرعيا أقيمت عليه حياة المجتمع، إقامة توفر الأمن والأمان والكرامة لكل أفراده بلا تفرقة لعرق أو لون أو دين أو مال أو جاه أو نفوذ.
 
المكتبة الإسلامية ثرية ثراء ملحوظا في الكتابة عن دوحة العدالة في الإسلام، علي أن التناول في الملتقي البحثي الذي نستعرض ما قدم فيه ـ يركز علي انعكاسات العدالة علي الأمن في المجتمع، وهذا »الأمان« هو المعني الواجب الذي تدور حوله فكرة الكشف عن »العدل« كمحور أساسي للأمن المجتمعي في الإسلام..
 
    في إطار فكرة التساند كتب الزميل الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي عن »التكافل الاجتماعي في الإسلام« ـ ملاحظا أن المنهج الإسلامي في تحقيق التكافل قائم علي هدي النواميس الكونية، لتحقيق التعاون بين البشر من ناحية، ورعاية الصالح المشترك الذي به يتعايش ويتكاتف ويتساند الناس علي اختلاف حظوظهم وقدراتهم من ناحية أخري. يقول عز من قائل: »أَهُمْ يقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِّمَّا يجْمَعُونَ « (الزخرف32).
 
حظوظ الناس في الحياة متفاوتة، في الرزق وفي الصحة وفي النسل وفي المال وفي القوة وفي المواهب وفي القدرات. ولو ترك الناس لقانون القوة ما استطاع أن يعيش الفقير والضعيف والعليل والمريض.. مفتاح العدالة هنا هو التكافل الاجتماعي الذي به يجير القوي الضعيف بقوته، ويعين الغني الفقير بماله، ويتساند القادر مع غير القادر، والصحيح مع العليل، والمكتفي مع المحتاج.. عن هذا التكافل عبر حديث رسول القرآن:  »المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا«، وزاده عليه الصلاة والسلام بيانا في حديثه: »مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكي منه عضو تداعي له سائر الجسد بالسهر والحمّي«.
 
     هذا النموذج التكافلي المتفرد الذي قدمه الإسلام بلا تفرقة لجنس أو لون أو دين، يصفه الدكتور الجندي بأنه: »جمع بين المثال والواقع والروح والمادة في نسق متوازن احتشدت فيه القوي البشرية علي اختلاف أجناسها وأديانها وألوانها، انضووا جميعاً تحت مظلة الإسلام: العقيدة والشريعة والنظام والأمة المتجانسة، رغم ما بينها من اختلافات وفوارق في مجتمع مركب«.. هذا النظام ضمَّ العنصر العربي وغير العربي، والمسلم وغير المسلم، كل هؤلاء تألف منهم المجتمع في الإسلام، وحصلوا علي كافة الحقوق التي يوفرها الإسلام ويعطيها بلا تفرقة، ومن ثم تمتع كل فرد بحاجاته الأساسية الضامنة لأمانة ولمستوي الحياة الكريمة إلتزاما بقوله تعالي: »إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَي❊ وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَي« (طه 118 ـ 119).
 
(للحديث بقية(
 

شارك الخبر مع أصدقائك