رجائى عطية

مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام‮ »‬6‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

شكل العدل الاجتماعي في الإسلام، المحور الثاني من المحاور البحثية في مؤتمر الأمن المجتمعي في الإسلام.. وفيه كتب الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي عن التكافل الاجتماعي في الإسلام، وكتب الأستاذ الدكتور محمد شوقي الفنجري عنوان : »محور العدل الاجتماعي ودور الوقف في تحقيق الأمن المجتمعي«، بينما كتب الأستاذ محمد علي التسخيري (من إيران) ـ عن دور الوقف في تحقيق العدالة والأمن المجتمعي، واختار نفس الموضوع الأساتذة الدكاترة محمد صلاح المستاوي (من تونس)، وعبدالله بن سعود المحيلبي (من الكويت)، وزيد بن يعقوب المفتاح (من البحرين)، وعكرمة صبري (من فلسطين)، وأبو بكر رفيق (من بنجلاديش)، وحسين محمد حلاوة (من ايرلندا)، ومحمــد عبد الحليم عمر (من مصر)، وعن دور الزكاة في تحقيق الأمن المجتمعي كتب الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق، والشيخ أمين الدين محمد إبراهيم (من موزمبيق)، وكتب الأستاذ كهلان بن نبهان الخروصي (من عمان) عن الأمن والمال في الإسلام، واختار الزكاة كنموذج لذلك، بينما كتب الأستاذ علي بن منظر بن الأستاذ جميل أختر بن حبيب المصباحي ـ إمام الجامع بالمسجد الكشميري في نيبال ـ كتب عن العدل الاجتماعي كركيزة للأمن المجتمعي في الإسلام، وكتب الدكتور محمد أحمد مصطفي الكزني (من كردستان) عن تحديد مفهوم العدالة التوزيعية والتعويضية، وكتب الشيخ سليمان كمارا (من سيراليون) عن الزكاة وأنواعها في تحقيق الأمن المجتمعي.
 
ويتضح من عناوين البحوث، أن »الوقف« ثم »الزكاة« ـ مثلا نحو %90 من البحوث المقدمة، ومع أهمية كل من الوقف  والزكاة وما يسمي بالعدالة التعويضية، إلا أن تكرار البحوث المقدمة في هذا الباب ـ يوري بأنه ربما كان من الأفضل الاتفاق سلفا مع الباحثين علي الموضوعات ضمانا لتنوع البحوث وتغطيتها جانبا أعرض من معاني العدالة في الإسلام، وهي عدالة لها من الأصول ما يحقق وبوسائل استباقية الإحساس العام بالعدل والقسط والإنصاف والمساواة في منظومة شاملة تكفل اطمئنان كل فرد إلي أنه مكفول الحق في فرص متكافئة في العمل والرزق والحماية والتمتع بالحقوق وفي المساواة أمام القانون وفي نصفة القضاء وكفالة وكرامة الإنسان وحريته وحقوقه العامة والخاصة، وكلها وغيرها يسبق ما يسمي بالعدالة التعويضية التي ترتق التفاوت وترأب الصدع وتجبر الفوارق.
 
من ست سنوات أوردت عن العدالة في كتاب »عالمية الإسلام«، أن الإسلام بمنظومته السامقة أقام دوحة وارفة يستطيع كل أعضاء المجتمع أن يستظلوا بظلها الظليل، وأن يعيش كل منهم آمنا مطمئنا في رحابه علي نفسه وماله وحريته وعرضه، مهما كان عرقه أو جنسيته أو ديانته أو مكانته أو نسبه أو ماله أو غناه أو فقره أو قوته أو ضعفه.
 
لم ينظر الإسلام لإقامة العدل في المجتمع كمحض فضيلة مطلوبة وكفي، وإنما أقام عليها حياة المجتمع كقاعدة لأسس صحيحة آمنة تستقيم وتتواصل وتمضي معها حياة الناس في ارتياح نفسي وطمأنينة وأمان وسلام. في هذه الدوحة المشعة بالعدل والمكفولة الرعاية به ـ لا يتغول أحد علي آخر، ولا يجور عليه أو يفتئت علي حقوقه أو يمس كرامته أو يتجني عليه أو يسئ إليه.
 
هذه المعاني السامية لا تنتظر التفاوت أو الضيم لتجبره أو تتداركه كشأن الزكاة أو الصدقة، وإنما هي تسعي سعيا إيجابيا استباقيا حثيثا لتهيئة وتوفير ما يتجنبهما ويحقق العدالة والمساواة. فالعدل اسم من أسماء الله الحسني وصفة من صفاته. ويعرف المسلم من القرآن المجيد أن الله تعالي قد أنزل كتبه ورسله وشريعته بالعدل، ولإقامة الحق والقسط.. »لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَينَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ« (الحديد -25).. وإقامة العدل إحدي دعائم وأركان رسالة الإسلام التي اتجهت إلي العالمين.. بها أوصي عز وجل رسوله الأمين فقال له: »وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَينَكُمُ« (الشوري – 15).. ويقول جل شأنه للمؤمنين :»يا أَيهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ« (المائدة -8)
 
لا غرو أن كان المصطفي ـ صلي الله عليه وسلم ـ إمام العادلين، في أكنافه كانت واحة العدل، طفق يبلغ رسالة ربه ويوصي بما أمر الله به : »إِنَّ اللّهَ يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ« (النحل -90)..
 
لم يخص الإسلام المسلمين وحدهم بالحماية من الظلم، وإنما شمل حمايته للجميع.. ففي القرآن المجيد : »وَمَا اللَّهُ يرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ« (غافر-31) ويوصي نبي الرحمة ـ نجباء مدرسته الأبرار فيقول لهم : »اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة«..
 
والعدل في الإسلام من »عزم الأمور« الذي تجمل فيه سجايا وأخلاق وشمائل الإسلام. هذا العدل ـ فيما قلناه بكتاب عالمية الإسلام ـ يتسع لكل الناس، ويشمل جميع المجالات. العدل أساس الحكم والولايات بعامة.. »إِنَّ اللّهَ يأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَي أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَينَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا« (النساء -58).. وفي سورة ص : »فَاحْكُم بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَي فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ« (ص -26).. هذا العدل لا يستثني من دوحته أو من إنصافه أحداً.. حتي من التوت نواياهم.. فيقول القرآن الحكيم عن هؤلاء: »سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآؤُوكَ فَاحْكُم بَينَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يضُرُّوكَ شَيئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يحِبُّ الْمُقْسِطِينَ« (المائدة -42).
 
قد جعل سبحانه وتعالي إقامة العدل قانونا عام في خلقه وفي الوجود كله، وعبر القرآن المجيد عن ذلك أصدق تعبير حين قال : »اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ« (الشوري -17).. وفي سورة الحديد : »لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَينَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ« (الحديد -25).
 
العدل الذي رعاه ويرعاه الإسلام لا يتجزأ، والمسلم العادل لا يفارقه عدله، إذا شهد يشهد بالعدل.. ولا يصرفه عن الشهادة بالحق والعدل ـ شنآن شانئ ولا إساءة مسئ..  »يا أَيهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ« (المائدة -8)..ينضح عدله في كافة معاملاته، يفي للناس بحقوقهم، ويفي بالكيل والميزان، ولا يخسر الناس ـ كل الناس ـ أشياءهم.. “ْ فَأَوْفُواْ الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْياءهُمْ« (الأعراف -85).. »وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ« (الرحمن -9).. »وَيلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَي النَّاسِ يسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يخْسِرُونَ« (المطففين من ١-3)
 
والوفاء بالوعد والعهد سجية إسلامية مع المسلم ومع غير المسلم.. فالقرآن المجيد يصف المؤمنين بأنهم هم الذين »لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ« (المؤمنون 8).. وهم بهذا مأمورون في الكتاب المجيد: »يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ُ« (المائدة-١).. وفي سورة الإسراء: »وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً« (الإسراء-34).
 
وإقامة المسئولية في شرعة الإسلام أساسها الإستطاعة وفي إطار مبدأ شخصية المسئولية.. فكل امريء بما كسب رهين، ولا تزر وازرة وزر أخري، وفي القرآن أيضا : »وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يوْمَ الْقِيامَةِ كِتَابًا يلْقَاهُ مَنشُورًا«  (الإسراء 13).. لا يساءل الإنسان إلاّ علي قدر استطاعته، فلا تكليف ـ عدلا ـ بمستحيل.. »لاَ يكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا« (البقرة286).. »وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَينَا كِتَابٌ ينطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يظْلَمُونَ«. (المؤمنون 62).. ومن عدل الإسلام أن راعي الضرورات والقوي القاهرة وتأثيرها علي الأهلية لتحمل المسئولية، فأقام من حالة الضرورة عذرا عاما يقيل المكلف من تقصيره بل من خطئه: »فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ« (البقرة173).. وفي سورة النحل: »فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ« (النحل 115)..  وفي الحديث النبوي: »الضرورات تبيح المحظورات«.
 
وحماية الإنسان من أن يساء به الظن، ضرب من ضروب العدالة المحققة للأمن والأمان في الإسلام.. في النهي عن المعاجلة بسوء الظن قال القرآن الحكيم: »يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاتَجَسَّسُوا وَلا يغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ« (الحجرات 12).. وفي إيجاب التروي للتبين والتحري وتجنب الاندفاع الأعمي الذي يقلقل أمان الناس: »يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَينُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَي مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ« (الحجرات-٦).
 
(للحديث بقية)
 

شارك الخبر مع أصدقائك