مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام‮ (‬17‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

استعرضت في المقالات السابقة، قدر مستطاعي، ما ورد من بحوث في ملف الأمن المجتمعي للإسلام، والذي بلغت صفحاته »1270« صفحة.. وفي اعتقادي أن هذه الجهود المحمودة يحتاج تكاملها إلي حديث رأيت إضافته إلي هذه البحوث عن »الوسطية« في الإسلام، باعتبارها أحد العوامل الأساسية في أمان المجتمع وحمايته من الجنوح والتطرف، وعن شجرة »المساواة« التي يتساوي في رحابها المسلم وغير المسلم، وتقي المجتمع من الاحتقان وفورات الإحساس بالظلم أو القهر أو الدونية، ثم أخيرا قدسية الروح في الإسلام، وهي أحد الركازات الأساسية التي تحفظ أمان المجتمع وتبث الطمأنينة والسلام بين آحاده ومجموعاته.
 
والغلو والتطرف هو أخطر ما يهدد أمن المجتمعات، والتطرف إيغال في البعد عن أواسط الأمور، وهذا من أسف واقع أحوال الناس، ذلك أن أفكار البشر وعقائدهم تجري كما يجري سلوكهم علي قنوات وفي اتجاهات عدة قد تتطرف إلي أقصي اليمين وقد تنحدر ببعضهم إلي أقصي اليسار في تيارات تختلف مسمياتها باختلاف تخومها ومعالمها.. يتوسطها الاعتدال نهجا يختطه ذوو البصر والبصيرة ويقبل عليه المهتدون والعقلاء.
 
والتطرف خلل واضح في اتزان الآدمي، وخلل هذا الاتزان لا يحس به صاحبه في الأغلب الأعم، إنما يشعر به من حوله ومن يتعاملون معه، فيحتاطون منه ويتحاشونه ما أمكنهم، ويتفادون مبالغته في التعصب والعداوة والبغضاء والغضب والتصلب وغرابة الحقد، مثلما يتحاشون ولعه بالشدة والانتقام، أو يكرهون ما يبديه من شدة البخل والشح التقتير علي أهله أو نفسه، أو من كثرة الإسراف والإفراط والإتلاف، أو ما يبالغ في تأكيده والإصرار عليه من انتحال العظمة والأهمية، أو من إدعاء الجمال أو الكمال أو الغني أو العلم أو الأصل أو الفصل!
 
خطـورة هـذا الخلل في اتزان الآدمي تغدو أكثر أهمية وخطراً إذا ما أصاب الحاكم والقائد والقاضي والمفكر وأصحاب المهن الحرة، لأن هؤلاء يقومون بخدمات عامة للمجتمع ومؤسساته وتوابعها، وهـم وإن كانـوا يحملـون تبعات ما يقومون به أو يقدمونه وتنعكس عليهم، إلاّ أن الأضرار المترتبة علي خلل الاتزان كبيرة أوصغيرة ـ تصب وتقع دائما علي الناس كجماعات أو كأفراد!!
 
والوسطية هي صمام الأمان الحقيقي من كل صور التطرف والغلو، هذه الوسطية سجية من سجايا القرآن الحكيم وفضيلة إسلامية، وقد عاش الإسلام وعاش المجتمع الإسلامي في أمان لأن الإسلام دين الفطرة والوسطية بلا تطرف ولا غلو ولا مغالاة.. عالج واقع الحياة وواقع الإنسان معالجة واعية متفطنة تستخرج من النفس الإنسانية خير ما فيها وتحاصر سلبياتها القائمة أو المحتملة، وتواجه الواقع بأفضل ما تصلح به الحياة والأحياء.. في كل زمان ومكان.. والوسطية هي ضابط فكر المسلم وشعوره وسلوكه، فالوسط أو الوسطية هو الاعتدال والقوام بين النقائض أو بين الإفراط والتفريط.. ومن هنا كانت الوسطية سنة محمودة وغاية مرجوة لم تذكر في شرعة الإسلام إلا في معرض التزجية والتنويه والثناء.
 
إن الأمة الإسلامية قد تبوأت مكان الصدارة بين الأمم بدينها الذي اهتدت به وبنص القرآن الذي به شرفت: »كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ« »آل عمران 110«.
 
 هذه الوسطية ما كان لها أن تكون ركيزة للصدارة وسببا لمقام الشهادة علي الأمم لولا أثرها كمقوم أساسي في تكوين الشخصية الإسلامية بهداها وسوائها وبصيرتها وانصافها.. وهي الصفات التي تؤهل الأمة لما أعدها القرآن المجيد له وكرمها به.. فقد دلنا القرآن الحكيم علي أن التوسط هو قوام الفضائل كلها من عقائد وعبادات ومعاملات.. وخصلة أصيلة من خصال المسلم، وإطار حميد في مسائل العبادة والأخلاق والشعور والسلوك.
 
وفي القصد والاعتدال في الشعور: »لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَي مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ« »الحديد 23«.
 
وفي صفة عباد الرحمن المتوسطين في انفاقهم بين السرف والتقتير: »وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يسْرِفُوا وَلَمْ يقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا« »الفرقان 67«.
 
أن »الوسطية« كمنهاج زكاه القرآن الحكيم وحث عليه المصطفي، ليست حجرا علي العقول ولا هي غلق للاجتهاد أو دعوة للجمود، وإنما هي معيار موضوعي.. منار المؤمن فيه القرآن والسنة، وهما فيما أوصيا به لم يغلقا بابا للرأي أو بابا للاجتهاد ما داماً في اطارهما الصحيح الذي تمثل الوسطية سمة أساسية من سماته..
 
وإذ كان الرأي والاجتهاد مندوبا إليهما، فإن الوسطية حصن المؤمن فيما يراه وفيما يسلكه.. يقول المصطفي: »خير الأمور أوساطها«، ويقول الإمام علي وكان نجيبا في مدرسة النبوة: »اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطي هي الجادة عليها باقي الكتاب وآثار النبوة ومنها منفذ السنة وإليها مصير العاقبة هلك من ادعي وخاب من افتري«.
 
الوسطية ونبذ الغلو والتطرف ملمح رئيسي وأساسي من ملامح الإسلام، وسر من أسرار قدرته علي احتواء كافة التيارات.
 
الوسطية، تمثل العدسة أو البوصلة التي تضبط فكر المسلم وخلقه وشعوره وسلوكه .. ومسئوليته أيضا .. ولم تذكر الوسطية في شرعة الإسلام إلاّ في معرض التزجية والتنوية والثناء.. من مقامها المحمود أن وصفت بها الأمة الإسلامية ذاتها.. »وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا«. »البقرة 143« صدرت فلسفة الإسلام عن هذه الوسطيه.. في التنسك والعبادة.. »حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطي وقوموا لله قانتين« »البقرة 238« والمطالع للقرآن الكريم يلمح هذه الحفاوة بالوسطية في ما زكي إليه من خصال وسجايا وأخلاق.. فالكرم وسط بين الشح والتبذير، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والتواضع وسط بين الكبر والمذلة أو الاستخذاء، والحياء وسط بين الخور والوقاحة، والحلم وسط بين الطيش والقعود، والعدل وسط بين الظلم والمحاباة، والرفق وسط بين العنف والإضاعة. الوسطية في الإسلام منهاج يجمع الشمائل بلا تفريط ولا مغالاة.. الغلو نفسه آفة مرفوضة.. يحذر منها رسول القرآن فيقول: »إن هذا الدين متين ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه. فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقي«. الوسطية سجية محمودة..
 
 »خير الأمور أوساطها«.
 
»للحديث بقية«
 

شارك الخبر مع أصدقائك