شريف عطية

مقومات الأمن المجتمعي في الإسلام‮ ‬‮(‬11‮)‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

التفاوت والمظالم الإجتماعية آفة ناشبة بالأثرة وحب الذات، سبيل اقتلاعها هو توفير »العدالة الإجتماعية«.. وحكمة الإسلام أنها تجاوزت الصيغ أو النظريات التوفيقية أو التلفيقية، وهدفت في صدق وعزم مع اتخاذ الوسائل لتحقيق عدالة إجتماعية حقيقية.. أساسها العدل والكرامة والعزة للإنسان.. لكل إنسان أن ينال حقه من الحياة في المجتمع بكرامة لا تميز للون أو لعرق أو لعصبية، وإنما توفر وتتيح فرصا كاملة للتعامل والمشاركة في تنافس قوامه الصدق والإخلاص والعمل الذي هو مقياس التفاضل مع التقوي. رأينا في سورة الحجرات كيف أن التفاضل بالتقوي، ونري أيضا في القرآن المجيد أن التفاضل بالعلم والعمل.. »وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيرَي اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ« ( التوبة 105 ) .. و »هَلْ يسْتَوِي الَّذِينَ يعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يعْلَمُونَ« ( الزمر 9 ).. أجل هنا فوارق ولكن مردها إلي المباديء والوعي والإصلاح وصدق العمل والعطاء.. نري في سورة النحل قول الحكيم الخبير سبحانه وتعالي :
 
»وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يقْدِرُ عَلَي شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَي مَوْلاهُ أَينَمَا يوَجِّههُّ لاَ يأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يسْتَوِي هُوَ وَمَن يأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَي صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ« ( النحل 76 ).. وفي سورة يونس : »قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يهْدِي إِلَي الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يهْدِي إِلَي الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهِدِّي إِلاَّ أَن يهْدَي فَمَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ« ( يونس 35 )..
 
ولكن هذه الفوارق لا ترد إلي »طبقية« أو تهدر العدالة الإجتماعية الواجبة بين الناس.. وقد جاء في الحديث القدسي أن الله تعالي يقول »إفترضت علي عبادي عشر فرائض إذا عرفوها أمكنتهم ملكوتي وأبحتهم جنتي، أولها معرفتي.. والعاشرة أن يكون هو وأخوه في الدنيا سواء«.
 
الإسلام وإن أقر بوجود التفاوت، كمثل التفاوت في التقوي والإخلاص، فإنه يبشر أصحابه بحسن الثواب، ولكنه لم يجعله سبيلا للتفاضل في الدنيا بمنطق الطبقات.. وقد أثر عن الإمام علي أمير المؤمنين قوله : »من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا وشهد شهادتنا ودخل في ديننا أجرينا عليه حكم القرآن وحدود الإسلام، وليس لأحد علي أحد فضل إلاّ بالتقوي.. لم يجعل الله ـ تبارك وتعالي ـ الدنيا للمتقين ثوابا وما عند الله خير للأبرار«.
 
من أركان هذه العدالة الإجتماعية ـ المساواة أمام القانون وكافة الأمور الحقوقية، ومحاربة الطبقية وكافة صور التمييز العرقي أو العنصري.. والعدالة لا تميز في الإسلام بين غني وفقير،أو بين حاكم ومحكوم، أو بين قوي وضعيف، والمواقف الإسلامية التي ساوت في مجلس القضاء بين الناس مواقف عديدة ومأثورة عن الصحابة والتابعين والصالحين، وذلك تجسيد لأمر الحق جلّ وعلا : »يا أَيهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَي أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَي وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ« ( المائدة 8 )..
 
ولم يقصر الإسلام تطبيق العدالة الإجتماعية علي الأموال، بل راعاها في كل ما يتعلق بحق وكرامة الإنسان ، فحرص علي تحرير العبيد وتحرير المرأة، ومن يتأمل بإمعان سياسته في هذا الباب يدرك أنه سبق الشرائع إلي سد أبواب الرق وفتح منافذ العتق لينتهي إلي إزالة الرق وتحرير العبيد، وان موقفه من المرأة قد انتقل بها من دائرة المتاع والإنتفاع لتكون السكن والعشرة ولها ذمتها وإرادتها وحقوقها.. إتسعت تطبيقات العدالة الإجتماعية في الإسلام لتنبذ كل صور العنصرية وتتغيا مفهوما عاما يشمل كل نواحي الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإنسانية. لم تقتصر علي إشباع الحاجات الغريزية، بل تجاوزتها إلي العدالة الحقوقية بإفساح الفرص المتكافئة لجميع الأفراد، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
 
هي إذن عدالة إنسانية، ومساواة إنسانية، لم تعل من شأن أحد لأنه سليل ملوك أو أمراء.. ولم تجعل لأحد دما أزرق يتميز به علي الناس، أو صاحب حسب ونسب يتباهي به ويعلو.. الكل متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون.. لا فرق بين أسود وأبيض وأحمر وأصفـر.. علا في الإسلام نجم سلمان الفارسي الأسود، وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، والمقداد الأسود.. لايتميز أحد ـ إن تميز ـ إلاّ بعلمه وعمله وعطائه وإخلاصه وورعه وتقواه.. ولكنه لا يتميز علي الناس ولا يفضلهم ولا ينال وبرة من حقوقهم.
 
يقرن الباحث في تفطن بين »العدالة الإجتماعية« والتكافل الإجتماعي.. فالتكافل لون من ألوان مسئولية المجتمع في الإسلام إزاء أفراده، به يسد ما عساه يحدث من فوارق فيجبرها ويسندها بروح التكافل التي تجعل المجموع معينا للفرد، والغني في خدمة الفقراء، والقوة لجبر الضعف والضعفاء، حتي كان النبي صلي الله عليه وسلم يقول: »الضعيف أمر الركب«.. وقد أثر عن الإمام علي رضي الله عنه قوله: »إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما منعه غني ، والله تعالي سائلهم عن ذلك«.. وفي الحديث النبوي الشريف : »المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كروب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة«.
 
يستخلص الباحث أن التكافل الاجتماعي في الإسلام، يقوم علي محاور أربعة : (1) توسيع مفهوم ملكية الله تعالي للمال. (2) وجوب إنفاق الأغنياء علي الفقراء. (3) الحث علي الإنفاق والتبشير بأجره وثوابه. (4) بث روح الأخوة والإيثار بين أفراد المجتمع.
 
لا يستخلص الباحث هذه المحاور من المطلق ، وإنما يردها إلي نصوصها ومواقفها وشواهدها، ليقيم الدليل علي أن »العدالة الاجتماعية« و »التكافل الاجتماعي »جناحان متقابلان« في الإسلام، يتعاضدان في بث الشعور بالعدل والمساواة والطمأنينة والأمان وسط مجتمع إتسعت مفاهيمه لتربط بين الناس بروح العدل والتكافل والإخاء، وتحقق له الأمان الذي يزدهر به المجتمع ويمضي الفرد آمنا علي نفسه في حياته وبدنه وعرضه وعمله ورزقه.

شارك الخبر مع أصدقائك