رجائى عطية

مقادير‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

علي غير ما ترتيب، ودون سعي، فقد كنت قد خضعت لقسطرة تشخيصية علاجية علي شرايين القلب التاجية في 2010/11/24 ، توجت بتوسيع ووضع دعامة معالجة دوائيا بالوصلة الموصلة للشريان التاجي الخلفي. والمعتاد أن تمدني بعمل معتاد لنحو عامين قبل أن أعاود الَكَّرة حين يظهر الضيق الجديد المتوقع في إحدي الوصلات التي وضعت في هيوستن بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1990 ، ولكني تلقيت اتصالاً هاتفيا كريما من الأستاذ الدكتور حسن صبري مدير عام مستشفي وادي النيل، أنه تفضل بحجز موعد لعرضي علي الخبير الفرنسي جان فاجيديه الموجود في مصر يوم 2010/1/30.
 
كان ظني أن العرض تحصيل حاصل، ولن يجاوز طمأنتي علي ما تم في 11/24 ـ ولكني فوجئت بالخبير الفرنسي والأستاذ الدكتور حازم عبد المحسن يعكفان علي فيلم القسطرة الأخيرة قرابة ساعة، لينتهيا إلي تقرير مكتوب بأنني أعاني من قصور مزمن بالدورة التاجية للقلب، وضيق بالشريان التاجي الأيمن والمحوري، وأن هذا الشريان الرئيسي ـ وهـو أُسْ المشكلة التي تسببت فــي »الباي باس« عام 1990 ـ يحتاج لتوسيع وتركيب دعامة معالجة دوائيا بواسطة الخبير الفرنسي جان فاجيديه.
 
الجديد في هذا المقترح، أنه ترك الوصلات التي ركبت في العملية الجراحية عام 1990، ويمم شطر الشريان الأيمن والمحوري الذي ما كان من الممكن الدخول داخله عام 1990 لإجراء توسيع أو وضع دعامات فيه، فلم يكن ذلك قد شاع بعد، فكانت »الباي باس« بوضع الوصلات قبل وبعد أماكن الاختناق، هو الأسلوب المتاح الذي أنجزته العملية الجراحية التي أجريت لي بالولايات المتحدة في ذلك الأوان.
 
   الجديد إذن أن الخبير الفرنسي يريد أن يدخل إلي شريان محوري اعتُبِر من عشرين عاما في عداد المفقودات، واستُعيض عنه بالوصلات الجانبية العابرة فوق مناطق الاختناق فيه.. ويبدو أنه دفعه إلي هذا الاختيار الصعب ـ أن الوصلات القديمة قد تهرأت بعد فوات عمرها الافتراضي بعشر سنوات، وامتلأت تباعاً بالدعامات، وصارت معرضة لما لا تحمد عقباه، فآثر الخبير الفرنسي أن يعيد إحياء الشريان الأيمن المحوري، عسي أن يمنحني وقتا إضافيا آخر أمارس فيه حياة معتادة قبل أن يحين أوان الرحيل النهائي الذي ليس منه بد!
 
في غرفة نومي بمنزلي برواز تقليدي، وضعت بداخله كروكي القسطرة التشخيصية الأولي التي أجراها بمصر في سبتمبر 1989 الأستاذ الدكتور جلال السعيد، ومرسوم عليها كروكي آخر بألوان مميزة بالوصلات الخمسة التي وضعها الطبيب الأمريكي جورج روول بمستشفي القديس لوقا في هيوستن بالولايات المتحدة في 16 يوليو 1990.. أداوم من وقت لآخر علي الإطلال علي هذا الكروكي لأستعيد نعمة الله التي وهبني إياها، وأتاحت لي أن أمارس حياة عادية لعشرين عاما كاملات كان ظني أن أتهيأ بعدها للرحيل، لم يكن يشغلني إلآَّ عبارة زكريا الحجاوي: »مشي قادر يبقي لي عمر تاني أكمل بيه الرسالة«.. تذكرنيهذه العبارة بقلقي من أن تفوتني فرصة الوفاء بما بقي في ذمتي وأريد انجازه قبل أن أفارق.. لا يزال في ذمتي إتمام المشروع الفكري الذي بدأته، وإتمام العشرين مجلداً من حصاد المحاماة التي لم يظهر منها للآن سوي أحد عشر مجلدا، ثم لا يزال في ذمتي أن أكتب عن أبي رحمه الله، وهو يستحق ذلك بكل المقاييس، وأن أنشر ما كتبته عن بعض الأحبة: سعد زغلول نصار، وفاروق خورشيد، ويحيي حقي، وصلاح عبد الصبور، وأن أكتب عن محمود حسن إسماعيل الذي وعدت ابنته سلوان قبل أن ترحل أن أكتب عنه، وفي أمنيتي أن أستكمل ما كتبته عن العقاد، وأن أكتب عن توفيق الحكيم وطه حسين، وأن أنشر كتابي عن أبي عبيدة ابن الجراح، وأن أتم المجلد السادس والأخير من مطول السيرة النبوية في رحاب التنزيل الذي أنجزت منه خمسة مجلدات نشرت تباعا في روزاليوسف ثم في المكتب المصري الحديث، وربما كتبت لك يوما عن هذه البواقي التي أتمني ولا زلت أن أفي بها، ولكني خلاف هذا الأمل في انجاز مشروعي ـ لا يعتريني خوف ولا جزع من الرحيل، مدركا أن الموت نهاية كل حي، فما هو إلآَّ كتاب مؤجل إلي ميعاد، فيقول الوارث الباقي: »وَلَن يؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ«.. ويقول عز وجل: »فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يسْتَقْدِمُونَ«. عدت إلي الكروكي بالبرواز القابع إلي جوار مخدعي لأتأمل حال الشريان المحوري الذي يريد الدكتور جان فاجيديه الدخول إليه لإجراء توسيع ووضع ما قدر أنه دعامة واحدة معالجة دوائيا.. فوجدته حافلا ـ ما شاء الله! ـ بالاختناقات.. أولها بأعلاه %30، ثم ثان بلغ 66%، ثم ثالث وصل إلي %95، ورابع %60، وخامس  %99ـ غير تفريعة منه مليئة هي الأخري باختناقات أحدها %90 ، وآخر %100، وثالث %80!!
 
إذن فالشريان الأيمن المحوري المطلوب الدخول إليه، به خمسة اختناقات حرجة %30، %66، %95، %60، %99 ـ ودعنا من التفريعة وما فيها!!
 
كعادتي سلمت أمري إلي الله، واستلقيت مساء2010/2/26  بغرفة العمليات بمستشفي وادي النيل، مطمئنا بين يدي الرحمن، والبراعة التي وهبها الله تعالي لهذا الطبيب الفرنسي العبقري. استغرق هذه المرة ثلاث أضعاف ما يستغرقه في كل مرة، ولكنه أنجز مهمة ضخمة لم يكتف فيها بالتوسيع ودعامة، بل وضع بعد التوسيع ـ ثلاث دعامات أعادت جريان الدماء في هذا الشريان المحوري المغلق تماما مـنذ عام 1990!
 
   ماذا أردت أن أقول لك؟! إنني بالطبع حمدت الله وسجدت وأسجد له شاكراً عارفاً حامداً، ولكن هذه القصة كلها ذكرتني بقالة جدودنا البسطاء: »العبد في تفكير والرب في تدبير«.. إنني ما سعيت ولا رتبت، ولكن المقادير هي التي قادتني بعناية الله ورحمته إلي حيث أراد. فهل بقدرتي أن أفي بما طوقني به ربي وأسبغه علي من فضله ونعمته؟!
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »