مــأزق المبرراتي

شارك الخبر مع أصدقائك

تصريح الدكتور عبد الأحد
جمال الدين في منتصف الأسبوع الماضي بأن الصحفيين المصريين »جميعا« كذابون
»ويسيئون لسمعة مصر« تضمن تحريضا مباشرا للسلطة لشن هجوم جديد علي حرية
التعبير. المشكلة أنه لم يأت بدليل في اتهامه الصحفيين المصريين »كلهم«
بالكذب إلا تغطية أحداث المحلة التي تعمدت فيها أجهزة الأمن منع الصحفيين
من التغطية، كما قبضت علي أحد الصحفيين الأمريكيين ومترجمه، ثم أفرجت عن
الصحفي الأمريكي بسرعة ولكنها احتفظت بمترجمه المصري لعدة أيام.
 

ولأن
الدكتور جمال الدين يسبق اسمه لقب علمي رفيع، يحق لنا أن نتساءل أي نوع من
»الدكتوراة« التي حصل عليها وتسمح له بتجاهل أبسط قواعد المنهج العلمي عند
إصدار هذه الأحكام المطلقة؟ لابد أن يكون الرجل قد قام بجمع  »كل« المادة
المنشورة »لجميع« الصحفيين المصريين بلا استثناء ومقارنتها بالواقع الذي لا
يعرفه أحد سواه فاكتشف أن »كل« الصحفيين كذابون! وإلا فإن هذه التهمة
ينبغي أن ترتد علي صاحبها.
 

أما نغمة »الإساءة لسمعة مصر« التي
تتردد كثيرا علي ألسنة رموز السلطة، فقد أصبحت نغمة ممجوجة، خاصة أن
الصحفيين ليسوا كتلة واحدة، وإنما هناك صحفيون يوالون السلطة ويدافعون عنها
ويحاولون تجميل صورتها عمال علي بطال ولكنهم لا يجدون من يصدقهم لأن
الواقع ببساطة يكشفهم في أغلب الأحوال، وأصبح القراء ــ إذا كان لهم قراء
ــ يتعاملون معهم بحذر شديد، وغالبا ما يصفونهم بأنهم أبواق السلطة. كما أن
كثيرا من المؤسسات الحقوقية في مصر والخارج تتابع ما يجري في مصر وترصده
وتنشر تقاريرها علي الرأي العام وترسلها إلي الحكومة المصرية، مثل العفو
الدولية ومؤسسة هيومان رايتس ووتش، ويكفي الاطلاع علي تقرير واحد من هذه
التقارير لنعرف بالضبط من هم الذين يسيئون إلي سمعة مصر ــ من يرتكب
الجرائم في حقها أم من ينشرها ويطالب بالتحقيق فيها؟.
 

علاوة
علي ذلك، فإن مصطلح »سمعة مصر« نفسه أصبح فارغا من أي مضمون حقيقي بعد أن
أصبح رموز النظام يطابقون بين »مصر« وبين السلطة التي تحكمها. وينبغي أن
يتم تعديل المصطلح إلي »سمعة السلطة الحاكمة في مصر«. وسمعة السلطة أصبحت
فعلا في الحضيض، ولكن ليس بسبب ما ينشره الصحفيون المعارضون لها
والمستقلون، إنما بسبب ممارسات هذه السلطة نفسها.

فالصحفيون لا
يحكمون البلاد بالطوارئ لمدة ثلاثة عقود تقريبا، ولم يضربوا القضاة
بالأحذية، ولم يوقعوا صفقة الغاز مع إسرائيل ولم يخفوا عن الرأي العام وعن
أعضاء البرلمان بنود هذه الصفقة، الصحفيون لم يدافعوا عن تجديد الطوارئ
مثلما فعل الدكتور مفيد شهاب، ولم يقمعوا الإضرابات السلمية للعمال، ولم
يهدموا بيوت الفقراء، ولم يعذبوا الناس في أقسام الشرطة ولم يعتقلوا الآلاف
لسنوات دون توجيه اتهام أو محاكمة. هل يستطيع الدكتور جمال الدين أن ينكر
كل هذه الممارسات التي أثبتتها أحكام قضائية ووثائق وتصريحات حكومية؟ أم أن
كل هذه الممارسات لا تكفي لكي تسئ إلي سمعة السلطة في مصر وتنزل بها إلي
الحضيض؟
 

لكل نظام في العالم مجموعة ممن يحملون درجات علمية أو
يتخصصون في مجال من المجالات مهمتهم أن يدافعوا عن سياساته ويمرروها
ويساهموا في صنعها ــ هم حراس أيديولوجية النظام. ولا يستطيع هؤلاء أن
يلعبوا الدور المنوط بهم إلا إذا كان للسلطة شرعية سياسية تقوم عليها ونظام
قانوني وأخلاقي تتقيد به.  وهنا يكمن المأزق الذي يعاني منه أيديولوجيو
السلطة لدينا حيث لا شرعية سياسية بعد التلاعب بالدستور، وتزييف الانتخابات
والاستفتاءات، وتسفيه المؤسسات النيابية والقضائية، وقمع التنظيمات
السياسية سواء كانت قانونية أو غير قانونية، وحيث لا يتقيد الجهاز التنفيذي
للدولة، ، بأي مبادئ قانونية أو أخلاقية في ممارساتها. فالقوانين، بما في
ذلك قانون الطوارئ نفسه، لا تطبق إلا بشكل انتقائي، ويتم طبخها بأسلوب يطلق
يد هذا الجهاز التنفيذي للتعسف بلا حدود من ناحية وبما يسمح بتجاوزها بلا
حدود أيضا من ناحية أخري، والأمثلة علي ذلك كثيرة لايتسع المجال لذكرها،
ففي مصر كل شيء ممنوع وكل شيء مباح.
 

وهكذا فإن مأزق حراس
أيديولوجية النظام لدينا يكمن في أن السلطة في مصر لا تتيح لهم الفرصة لطرح
أي منطق متماسك عندما يدافعون عن ممارساتها. وبالتالي تأتي تصريحاتهم
شائهة لكي تكمل المشهد في »كوميديا سوداء« وعرجاء أيضا، ففي هذه المسرحية
العبثية لم يعد المتفرجون ينفعلون مع الممثلين أو يتأثرون بالمشهد، ولأن
الجمهور مازال عاجزا عن تحطيم المسرح وقذف المهرجين السذج بالكراسي وقشر
الفول السوداني، يستطيع هؤلاء الممثلون أن يلعبوا أدوارهم التافهة وهم
يصرخون ويقهقهون ويؤدون حركات بهلوانية ويختالون بأنفسهم في نشوة من يظن أن
أنات الجماهير التي قيدت وكممت أفواهها ما هي إلا صيحات إعجاب بالأداء
السخيف.
 

شارك الخبر مع أصدقائك