طارق عثمان

معنى مصر (- 1 -)

شارك الخبر مع أصدقائك

الكمال فى البداية

لماذا كان الكمال فى البداية، ثم أعقبه نزول تدريجي. ثم كيف كانت البداية. نحن لا نعرف شيئًا واضحًا عن لحظة البدء ومرحلة الانطلاق الأولى للحضارة فى مصر.. لكننا نعرف أنها كانت الإشعاع الأكبر فى محيطها الواسع، شرقًا الى أواسط الهلال الخصيب، غربًا إلى المستوطنات الرومانية فى شمال ليبيا، وجنوبًا حتى الوصول إلى الأدغال… يبقى الشَّمال، والشمال كان المعبر بين مصر القديمة وبين حاضرنا اليوم.. ذلك لأن أول كتاباتٍ وصلتنا عن مصر القديمة كانت من هيرودوتس (المؤرخ اليونانى الأشهر).

ما كتبه هيرودوتس كان بداية النظر إلى حضارة مصر القديمة (وقد كان عمرها فى عصر هيرودوتس قد تعدّى آلاف السنوات)… لكن ما كتبه الرجل لا شك لم يكن بداية النظر من مصر، من داخل البلد إلى نفسه… هيرودوتس فتح الأبواب أمام العالم ليرى مصر، لكن الأبواب الداخلية، فى مصر نفسها، كانت قد فُتحت، ثم شُرِعت، ثم أغلقت. وكان ما صاغه المصريون فى حضارتهم فى ذلك الزمان البعيد خارج معرفة هيرودوتس، وعليه لم يكن فيما نقله.

لكن هناك أصواتًا أخرى، أيضًا من اليونان الهيلينية، كتبت عن مصر القديمة وإن كانت مصادر معرفتها مجهولة. والافتراض أن هولاء قد كتبوا عن رؤية وتماس. وكان أهم وأشهر هؤلاء فيثاغورس (عالِم الرياضيات الذى يعرفه أغلبنا من حصص الهندسة فى المدرسة، كما أنه من أهم مؤسسي علم الموسيقى).. لكن ما وراء النظريات، سواء الهندسية أو الموسيقية، فلسفة واسعة تقوم على الأرقام كتعبيرات كونية عن الوجود كموجات، وعلى العلاقة بين تلك التعبيرات كقواعد حاكمة فى الكون- والكثير من تلك التعبيرات وجد طريقه إلى الفلسفة الحديثة وإلى الفيزياء الحديثة (خاصة الكوانتم، وهى حتى الآن الفهم الإنسانى الأرقى وغالبًا الأصح لطبيعة الكون).

اقرأ أيضا  السلام الديمقراطى فى الشرق الأوسط

اللافت فى المدرسة الفيثاغورسية أن الفكر يعتمد بشكل رئيسى على التصويرات الهندسية كتطبيقات للقواعد الحاكمة فى الكون. وفى الوصف الواصل لنا، فإن فيثاغورس هنا تلميذ فى المدرسة المصرية؛ حيث الهندسة المطبقة فى الهياكل الكبرى (المعابد العملاقة) تعبير عن نفس تلك القواعد السائدة فى الكون نفسه.. هنا، فيثاغورس ومدرسته، حسب الناقلون، فرع من أصل مصرى.. لكن الفرع قد وصَلَنا مقطوعًا، والأصل لا تبقى منه سوى الهياكل الصامتة.

بعد قرونٍ عدّة، جاء رياضيون (وخاصة مهندسين)، من شمال أبعد (خاصة فرنسا)، وكتبوا عن العلاقات الهندسية والقواعد الفيزيائية فى الهياكل العظمى للحضارة المصرية القديمة، وشرحوا كيف أن هذه العلاقات (فى أسس المعابد وتشكيلها، وبين الأبعاد والزوايا والمقاسات، كما فى داخل الرسومات والتشكيلات الهندسية على الجدران والأسقف) تجسيد لمفاهيم رياضية حاكمة فى الظواهر الكونية (وأشهرها على سبيل المثال، المتوسط الذهبي).

اقرأ أيضا  خواطر مواطن مهموم (79)

بعض الفرنسيين أصبحوا تقريبًا كهنة جددًا عصريين فى معابد شُيّدت منذ آلاف الأعوام. وبعض هؤلاء الكهنة الجدد (أساتذة علوم تطبيقية حديثة فى جامعات غربية عريقة) بدءوا يُعَبرون عما يقفون أمامه بما يقترب من التقديس.

وفى كل ذلك- قصص هيرودوتس، تواترات المدرسة الفيثاغورسية، أو الكتابات الحديثة فى القرن العشرين- يكبر اللغز، لا يُحل.. كيف كانت البداية فى مصر، ما المعانى القابعة وراء تلك الحضارة المَهولة.. قد تكون القصص والتواترات ناقصة، مجرد بعض من كل.. وقد تكون تفسيرات الرياضيين الأوروبيين فى المائة عام الماضية ركضًا أبعد من طاقة المعطيات المؤكَّدة الظاهرة فى التشييد المصري.. وقد تكون التفسيرات الآخذة من الفيزياء الكوانتم والواصلة بما هو ظاهر من الأفكار والتعبيرات الرياضية المصرية، فيها من الفلسفة ما هو زائد بعض الشيء.. لكن بلا شك، لمن عرف (ولو قليلًا)، فإن الأفكار البسيطة حول عبادة المصريين لمظاهر الطبيعة وبعض الحيوانات من خلال تصورات بدائية للكون وعلاقته بالإنسان، وأن المبانى العظيمة كانت مجرد للدفن، وغير ذلك، كله يبدو (فى أفضل الأحوال) جهل.

اقرأ أيضا  من تراب الطريق (1050)

لذلك، تبقى الهياكل البنائية العملاقة فى مصر شمالًا وجنوبًا، ودائمًا حول وادى النيل، واقفةً دليلًا على علم عميق، ليس فقط قد كُتب على هذه الهياكل، بل تجسَّد فيها… كل هذا يجعل مصر القديمة، خاصة فى عصورها الأولى، لغزًا جليلًا.. والجلالة من معرفة الدارسين أنهم أمام ما كان يومًا ما جسرًا بين المادي والروحي، وصل المعاني الفلسفية بالقواعد الرياضية الظاهرة (والمتكررة فى الكون)، وجسَّد ذلك الوصل فى جمال بنائي شُيّد حول نهر النيل الحاضن لتلك الحضارة المَهولة التى قامت على أرض مصر، فى أول التاريخ المُسجَّل.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »