توفيق اكليمندوس

معتدلون ومتطرفون (2)

شارك الخبر مع أصدقائك

أواصل عرض خواطرى حول المقولة التى تنادى بالحوار، مفترضة أن الحوار يقوى دائما المعتدلين، وأن القمع والتصعيد يلعبان دائما فى صالح المتشددين.. وخلاصة ما أريد قوله أن المقولة ساذجة ولكن نقيضها ساذج أيضا، قد يبدو هذا التشخيص نوعا من الاستسهال ومن التهرب، ولذلك أخوض فى تفاصيل كثيرة ليكون الكلام أكثر تحديدا، ولنبدأ بأمثلة هدفها التشديد على خصوصية كل حالة وعلى تعقيدات الوضع.

يقول مناصرو الإخوان أن سبب تطرفهم ما حدث فى سجون الرئيس جمال عبد الناصر. وهذا ينطوى على قدر كبير من الصحة٬ فمن ناحية من الواضح أن سيد قطب وغيره ازدادوا تطرفا فى السجون، ومن الجلى أن الإحساس بأنه لا مفر من المواجهة العنيفة يقوى حجج المتشددين، ويعطى وجاهة للمقاربة التى ترى أن أى تنازل سيعتبره الخصم والعدو علامة ضعف تشجع على مزيد من الضغط. وأن إبداء عدم الخوف من التصعيد بل القيام به هو الحل.

ولكن التحليل الذى يتوقف عند تلك النقطة لا يرى إلا وجها للعملة دون الآخر، من ناحية ظهور التطرف الإخوانى سابق على تجربة السجن، عمليات الاغتيال سبقت الاعتقالات، واعتبار المجتمع والدولة من الكفار هو موقف تبناه تيار هام قبل أى مواجهة مع الدولة٬ صحيح أن القمع قوى هذا التيار ولكنه قوى فى الوقت ذاته التيار المنادى بالسلمية المدرك لعقم العنف ولتكلفته. يبقى أن الجماعة طلقت العنف – لا يهمنا الآن تقدير مدى صدق هذا الموقف فهو غالبا لم يكن صادقا- بعد القمع وليس قبله. ويبقى أيضا أن بعض المتشددين انفصلوا عنها وانخرطوا فى العنف المسلح.

والعرض السابق ملخص مخل لا يطرح كل التساؤلات المشروعة، على سبيل المثال.. هل كان من الممكن سلك طريق الحوار مع الإخوان بعد حادث المنشية؟ الرد قطعا لا٬ ولكن الإقرار بضرورة القمع لا يبرر التعذيب، ويفهم من روايات المدافعين عن الإخوان أن التعذيب لا القمع فى حد ذاته هو سبب التطرف، ويبدو كلامهم منطقيا، ولكنه يؤدى إلى نتيجة لا يريدونها٬ وهى أن المشكلة فى التعذيب لا فى القمع.

مثال آخر.. كان الرئيس أوباما من أنصار الانفتاح على إيران ولكن محاولته الأولى باءت بالفشل واضطر إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات العقابية القاسية٬ ثم تحاور مع إيران وتوصل إلى الاتفاق النووي٬ وقيل لى إن الدول الأوروبية التى تتبنى أصلا مقاربة الحوار تدخلت مرارا لمنعه من التسرع فى تقديم التنازلات.. المهم تم التسويق لهذا الاتفاق بحجتين، الأولى والأكثر وجاهة أنه أجل دخول إيران النادى النووى، والثانية أنه يقوى من شوكة المعتدلين فى إيران، فالمعتدلون حصلوا على الكثير من خلال المفاوضات وأعطوا لإيران أدوات مالية وتجارية تسمح بالتعامل الجدى مع مشكلات الداخل بدلا من الهروب إلى الأمام، والسعى إلى هز استقرار الإقليم.

ولم أؤمن أبدا بالحجة الثانية، لأنه بدا لى واضحا أن موازين القوة فى النظام الإيرانى فى صالح المتشددين، إضافة إلى كون ممارساتهم أكثر اتساقا وأيديولوجية وخطاب النظام وثقافته السياسية. كنت أرى أن المكاسب التى حصلت عليها إيران ستسمح لها بالاستمرار فى التمدد، وأنها ستهدئ من توجس الرأى العام المنحاز إلى المعتدلين، وستسمح للمتشددين بادعاء الحكمة.. زاعمين أن التشدد لا يتسبب فى فواتير إضافية، ويحقق نتائج إن آجلا أم عاجلا.

علينا أن نطور السؤال.. هل يؤثر خيار المواجهة أو خيار المهادنة على التوازنات الداخلية فى الكيان الخصم أو العدو وهل هذا التأثير من الأهمية التى تجبرنا على أخذه فى عين الإعتبار؟ وهل يمكن التنبؤ بشكل واتجاه هذا التأثير؟
يتبع

  1. أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »