شريف عطية

مصير «الحضارة العربية» بيد شعوبها

شارك الخبر مع أصدقائك

ما من بلد فى كل من المنظومة العربية، أو جاراتها غير العربيات.. على امتداد منطقة الشرق الأوسط، إلا وتموج بتحولات واضطرابات سياسية مجتمعية، ليست من ترتيب قوى خارجية عظمى- وإن كانت تستفيد من فوضاها- بقدر ما هى نتيجة أنظمة محلية حاكمة رفضت طويلاً الاستجابة تحت دعاوى التعصب والتضييق لمشروعات التجديد والإصلاح، تحملت شعوبها ما لا تطيقه- وصولاً إلى ما تعانيه على النحو البائس المشهود، ليس وليد ما أفرزته الحراكات الربيعية 2011 من توابع وإرهاصات فحسب، ولا فقط من فرط تضخم الذات لدى الجارات غير العربيات على أطراف المنطقة العربية، وعلى حسابها، إنما تعود جذوره السببية إلى وقت أن كان التطرف القاصر، وانقساماته، الذى انزلق بالوحدات السياسية العربية لتكون لقمة سائغة لدى خصومها داخل الإقليم.. ومن خارجه، حتى إذا ما انتفضت فى 1973 لاستعادة توازنها المفقود، إلا سرعان ما انزلقت مجدداً فى الاتجاه المعاكس من التطرف القاصر إلى التماهى المعيب مع أعداء الأمس، فى خفَّة سياسية غير معهودة، شجعت الآخرين للتجاسر بالخصم من الرصيد العربى عبر قضمات متتالية، ولو أنها أنهكت العالم العربى، إلا أن الكيانات المتنافسة الأخرى عجزت عن هضمها، ذلك بالتزامن مع شيوع الفوضى والفساد فى كل من الأنظمة الحاكمة للقوميات العربية والفارسية والطورانية والعبرانية، على النحو المشهود فى العقد الأخير، إذ إن إسرائيل بلا حكومة منذ أبريل 2019 ولأجل غير مسمى، كما يزج الحزب الحاكم فى تركيا منذ الانقلاب العسكرى (المزعوم) فى 2016 بالآلاف من المعارضين فى المعتقلات أو بالطرد من وظائفهم، فيما يستند بقاء واستمرار نظام «الملالى» فى إيران إلى جيش مواز (الحرس الثوري) يهدد بتفريغ شوارع المدن الإيرانية من المحتجين على تردى الأحوال، ناهيك عما يحدث فى لبنان والعراق، ولغيرهما فى البلدان العربية بدرجة أقل أو أكثر، من الباحثين عن استقلالهم.. سواء من تدخلات قوى إقليمية ووكلائها المحليين أو عن سطوة قوى خارجية عظمى، يسعون- فى غياب حكام غير راشدين- لتلوين الحراكات الشعبية، بأصباغهم، ذلك فى مواجهة آلاف من المواطنين العراقيين ينظمون مشهداً غير مسبوق لإضراب طويل عن العمل، ينغلق عبره عدد من الأبنية الحكومية والمدارس والأسواق والمحال التجارية، دعماً لمطالب المتظاهرين المتوافدين من المحافظات على العاصمة بغداد، يبدون ترحيبًا واسعًا بمظاهرات إيران، باعتقاد إضعافها نفوذ طهران فى العراق، الأمر الذى قد يساعد على إنجاح حراكهم الذى ينعكس إيجاباً من ناحية أخرى على سوريا.. التى تهدد على غرار «السيناريو العراقى» بإخراج الأميركيين (والأتراك) من شرق سوريا، خاصة من بعد فشل زيارة الرئيس التركى لواشنطن الذى عاد منها «خاوى الوفاض»، ناهيك عن التطرق من جانب ثالث إلى لبنان، لربما يمكن تبين خيط دقيق يربط بين أهداف الحراكات الاستقلالية فى الدول العربية للإنعتاق من التدخلات الإقليمية والخارجية، بسيان، استناداً إلى زخم شعبى جماهيرى غير مسبوق فى التاريخ العربى، إذ يلزمه للتحوط من احتمالات إفشاله- وهو أمر وارد – مشاركة الجيوش العربية (ربما على غرار «الشهابية» فى لبنان 1958.. إلخ، ذلك للحفاظ على سوسيولوجية الدولة الوطنية العربية من التصدع والانهيار، لكى لا تصبح مثل «التابع الذليل» للقوى الإقليمية أو الدولية بسيان، ومن ثم إلى غرق الحضارة العربية بكل حمولتها المتعلق مصيرها- للمفارقة- ليس بيد الحكام بقدر ارتباطها بقدرة الحراكات الشعبية على الصمود.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »