مصر وصناعة التفوّق (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

إبان أن كان أسلافنا معنيين بالانتماء، كانوا معنيين أيضًا بالتعليم، وبصناعة التفوق.. كانت العملية التعليمية بأضلاعها الثلاثة : الأبنية، والمعلم، والتلميذ، تشكل حجر الأساس فى بنية الأمة أفرادًا وجماعات.. هذه البنية لم تكن فى نظر جيل الرواد مجرد بنية وكفى، وإنما تفطنوا إلى أنها يجب أن تنهض على «روح التفوق».. بغير هذه «الروح» تفقد الأممبوصلتها، فى التعليم، وفى الثقافة، وفى العمل، وفى الرياضة، وتفقد العملية التعليمية التى تصب مادتها وقيمها فى كل هذه الأنشطة وغيرها تفقد أهم أركانها، وتهدر الأثر السحرى الذى تعطيه روح التفوق لدفع التلميذ فى طلب العلم، ودفع المدرس والمدرسة على بذل العلم والحرص على الوصول به إلى أعلى المستويات العلمية والمعرفية والثقافية.

كان الرواد ملتفتين طلبًا لهذه «الروح» إلى إحياء المنافسة بين الطلاب والمدارس والمعاهد والفرق الرياضية، وهى منافسة كانت محوطة بطلب التفوق وصناعة ورعاية مخصباته، وتحريك دوافعه.

حتى عهد قريب، قبل أن تزحف عوامل النحر، كانت جامعاتنا تحتل مكانةً متقدمة بين جامعات العالم، بيد أنها طفقت تتراجع وتتراجع حتى صدمنا تقرير نشر فى فبراير 2008، حمل إلينا أن مكانة جامعاتنا تقهقرت تقهقرًا مزريًّا بما فيها جامعة القاهرة التى كانت فى مقدمة الترتيب العالمى أيام أن كنا نباهى بها الدنيا. خرجت جامعة القاهرة وباقى جامعاتنا من قوائم الترتيب العالمى فى سباق الأفضلية، وسبقتها جامعات لم تُنْشأ إلاّ بعدها بسنوات عديدة.. حتى جامعتنا الأولى العريقة، جامعة القاهرة المنشأة سنة 1908، رجعت القهقرى ليصير ترتيبها 3293، وترتيب جامعة المنصورة 4392، وترتيب جامعة عين شمس 5062، وجامعة الزقازيق 6180، وترتيب جامعة أسيوط 6198.. هذه النكبة لم تحدث بين يوم وليلة، وإنما هى تراكمات سنوات.. فالتقرير الصادم كشف عن حقيقة قديمة بَحَّت الأصوات بالتحذير من تداعياتها، ومن أن معنى أن تتقدم عليها جامعات مستحدثة بالشرق الأوسط، ومن آثارها أن يفقد خريجو الجامعات المصرية مكانتهم ويبوروا فى إطار المنافسة فى سوق العمالة التى كانت تطلبهم وتسعى إليهم إقرارًا بتفوقهم!

الواقع المر أننا تراجعنا عن صناعة التفوق فى كل مجال، فى التعليم وغير التعليم، وليس معنى ذلك أن مصر قد خلت تمامًا من المتوفقين، أو العباقرة، وإنما ظل ذلك اجتهادات فردية خارج السرب، وتعتمد على الملكات الشخصية والكفاح الشخصى والإصرار الشخصى، يجنيها أصحابها رغم قعود الأداء العام عن بذل العناية الواجبة لصناعة التفوق.

تستطيع أن ترى ذلك التفوق والعبقرية فى نماذج كالدكتور مجدى يعقوب، والدكتور أحمد زويل، وغيرهما، بيد أنها محصلات فردية، قوامها الفرد لا النظام العام وما يكفله ويوفره.

كنا نرى الجامعات المصرية تتباهى ويتباهى خريجوها بمكانتها العالمية، وكنا نرى المدارس تتبارى بعدد المتفوقين الأوائل منها ضمن المجموع العام، ولم نرصد عليها اصطناع نتائج مفتعلة تتباهى بها وتستجلب الرضا والتباريك بلا حصاد فعلى حقيقى.

من أكثر من عشر سنوات، أصدرت الهيئة العليا للتعليم بالولايات المتحدة، تقريرًا عن نتائج ما أجرته من دراسات وبحوث لمعرفة مستوى التعليم هناك، وكان المدهش أن يتضمن التقرير رغم سمعة التعليم الأمريكى التى تضعه فى مقدمة مستويات التعليم بالعالم. أن هناك تراجعا فى مستوى التعليم لديهم بالقياس إلى مستوى التعليم فى اليابان، وأورد التقرير الأمريكى أن «الانتماء» هو السبب الرئيسى فى تقدم التعليم باليابان، وتراجعه بالولايات المتحدة.

فما الذى حدث لدينا؟!

ولماذا لم نواجه أنفسنا بالتراجع المسكوت عنه والنحر الشديد اللذين أصابا التعليم فى بلادنا؟ ولماذا نحن نفترض افتراضًا أن كل شىء بخير، مع أنه ليس بخير، وكيف لم يعن أحد بعقد دراسات حقيقية واقعية جادة تبين حال التعليم وما أصابه فى مصر، ناهيك بتشخيص المرض أو الأمراض، ووضع وتعاطى العلاج!

شارك الخبر مع أصدقائك