شريف عطية

مصر وجاراتها غير العربيات.. من يقود المنطقة

شارك الخبر مع أصدقائك

من المجمع عليه.. توسط مصر لمركز الدائرة بامتداد منطقة الستار الإسلامى (طنجة- عُمان) فيما بين المحيطين، بينما إيران وتركيا على أطرافها، وباستثناء يهود الشتات الآتين تباعاً من وراء البحر إلى فلسطين المحتلة، أما مصر فهى الأعرق حضارة فى الإقليم، لولا المحن التى لاحقتها من بعد أوج ازدهار عهد الأسرة 18 (الفرعونية)، ما شجع الفُرس على احتلالها نحو 500 قبل الميلاد، مروراً من بعد العام 332 ق.م بالمرحلة الإغريقية الرومانية حتى تاريخ الفتح الإسلامى فى القرن السابع الميلادى، وليس آخراً بدخول الدولة العثمانية (المتشحة بالإسلام) مصر 517 ميلادية، ولتمتد بنفوذها لنحو خمسة قرون إلى الجزيرة العربية.. وبلاد ما بين النهرين.. وبلاد المغرب، قبل أن تنتهى الحقبة العثمانية إلى حدود تركيا «الجمهورية الأتاتوركية» 1924.. دون أن يبقى شيء من تراثها (الإمبراطوري)، كأثر بعد عين، سوى دورها المستحدث.. كمجرد «تابع ذليل»- لا تزال- تدور فى فلك الاستراتيجية الغربية وحلف شمال الأطلنطى، أقرب ما تكون إلى الجارة الإسلامية الأخرى غير العربية- إيران- الساعية- لا تزال- لأن تحصل على موافقة الغرب لدور إقليمى متميز بمثابة ما كان عنها كشرطى له فى الخليج والمنطقة، لكن دون أن يبلغ حاضرهما وتراثهما- تركيا وإيران- المكانة التى تطاول التراث العربى الذى بقى- رغم المحن- عصيًّا على الاندثار، ذلك من خلال الدور الأساسى لمصر «العربية»، بل وتمكن (التراث العربي) أن يهزم بسهولة- رغم موقعه المتأخر فى النظام الدولى، وفى معيته كل من أنقرة وطهران- كلًا من الفراغ الثقافى الطورانى والفارسى فى المنطقة، ذلك رغم سعيهما مجدداً لإحياءه، سواء من خلال إعلاء الثورة الإيرانية 1979 للتعصب المذهبى وسيلة لتوسيع نفوذها الإقليمى.. أو من خلال سعى حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا منذ العام 2002.. استعمال الإسلام سياسياً بغية استعادة الخلافة الإسلامية، أما بالنسبة للجار الثالث غير العربى- إسرائيل- فقد كان المشروع الصهيونى الاستيطانى- لا يزال- وسيلتها لهيمنة ما تسمى «الحقبة اليهودية» فى المنطقة، وبصفة خاصة على العالم العربى الذى بات فى ظل اختلال موازين القوة بينهما (وعلى عكس صمود موقفه إزاء إيران وتركيا).. يتجه للعمل نحو تجريب التسويات السياسية مع إسرائيل، التى يعوقها تمسك الأخيرة بالغايات العليا للدولة الصهيونية الكبرى، من النيل إلى الفرات، بما فى ذلك التداخل بنفوذها فى دول أعالى النهرين لكل من تركيا وإثيوبيا (الجار غير العربى الرابع لمصر)، ذلك بغية إرواء الدولة العبرية ظمأها المائى، بالخصم أو المشاركة مع الحصص المائية لكل من العراق وسوريا من ناحية، ومع مصر على الجانب الآخر.

إلى ذلك وفى سياقه، تتصاعد صرخات التحدى بين زعماء الإقليميات الثلاث غير العربيات، وكأنهم يراهنون على ردم هوة الفراغ القاصر لطموحاتهم، سواء على شعوبهم أو بالمناورة على الاستقرار الإقليمى الدولى، بسيان، إذ تفتقد إسرائيل طوال العام 2019 – لا تزال- لوجود برلمان عديم الفاعلية بين الحل أو الانعقاد الشكلى، وليس بها غير حكومة «تسيير أعمال» فى ظل العجز انتخابيا عن بناء حكومة جديدة، أما فى إيران فإن المناخ السياسى المضطرب يتجه على الأرجح للاستعانة بالقادة العسكريين الذين يرون بأنفسهم- حماة النظام الحقيقيين- والزاعمين، بحسبهم، أنهم الأكثر نقاء من الثلج الناصع، ما يؤهلهم لمواجهة الفساد.. وعدم كفاءة الملالى، وإلى تطويعهم البيروقراطيين الذين أداروا الحياة العامة منذ 1979، وبحيث من الأفضل- بحسبهم- أن يمتلكوا السلطة الحقيقية- كفريق للمرشد وبجانبه- ولممارستها فى سياق قانونى شفاف.. يكون قادرًا على المساهمة فى استعادة الاستقرار الإقليمى، أما فى تركيا المهووسة بجنون العظمة لرئيسها أو فى استعادة السلطنة العثمانية، فإن نظامها أقرب بذلك للوصول إلى حتفه.

إلى ذلك الارتباك داخل دول الجوار غير العربى، ومع اعترافهم به، تتجه إسرائيل رغم عدوانيتها المبيتة إلى التهدئة.. بأمل تطبيع العلاقات مع مجمل العالم العربى، خاصة منطقة الخليج، حيث تباشر السعودية تمويل المجتمع الإلكترونى «نيوم» ذات الآفاق الاقتصادية المزدهرة على الحدود بينها وبين مصر والأردن وإسرائيل، ذلك فيما تستجيب السعودية بعد طول إعراض سابق.. إلى مصانعات إيرانية متجددة ولو من باب «التقية»، خاصة من بعد أن أجهدتها العقوبات الدولية والعزلة الإقليمية، والاستنزاف المستمر لطاقاتها عبر خوضها الاشتباك فى جبهات متعددة، ملوحة- كإسرائيل- بعوائد آفاق الاستقرار مع دول الجوار.. التى يكمن أعداؤها فى خارج المنطقة يستهدفونهم أجمعين، وفقاً لتصريحات مسئولين إيرانيين، ذلك بالتوازى مع مؤشرات أميركية توحى بتطوير العلاقات مع إيران من المواجهة إلى المهادنة، إلا أن تركيا من جانب آخر تبقى حتى الآن كاستثناء فى الإصرار على بلوغ غاياتها من التوظيف السياسى للتاريخ العثمانى مجدداً، فيما تتصاعد المعارضة لنظام الحكم فى الداخل، وإزاء سياستها الخارجية على الصعيدين الإقليمى والدولى بسيان.

على صعيد موازٍ لتداعيات الطموح القاصر للجارات غير العربيات، تستنهض مصر فعالية تحركاتها الخارجية كما بالنسبة لأوضاعها الداخلية ببطء لكن بثبات، ولتكتسب يوماً بعد آخر ثقة العالم من حولها.. حين يستند إلى وضعيتها الجيوسياسية كعامل استقرار داخل الإقليم وفى العالم، كذا بالنسبة لدورها المتقدم فى مكافحة الإرهاب الدولى، وفقاً لما ينظمه الاتفاق الأمنى الموسع فى يناير 2009.. لمواجهة الإرهاب على امتداد المنطقة من مضيق جبل طارق أقصى غرب البحر المتوسط على المحيط الأطلنطى.. إلى بوغاز باب المندب (عبر قناة السويس)، أقصى جنوب البحر الأحمر، على المحيط الهندى، ما يدعو القوى الكبرى المعنية بالقضاء على الإرهاب إلى الموافقة على تقديم الدعم التسليحى واللوجيستى والمادى إلى مصر، من أحد دلالاته ذات المغزى تزويدها بحاملتى طائرات هليوكوبتر، لتنفرد بتسليحهما عن باقى دول المنطقة، كما من المرجح أن تنضم إليهما حاملة طائرات ثالثة BA2 طاقتها 32 طائرة مقاتلة فرنسية «رافال»، ما يؤهل مصر إضافة لما سبق من ازدهار مرتقب لأوضاعها الداخلية، وإلى جانب عقلانية تحركاتها الخارجية، إلى تبوّؤ وضعية إقليمية متفردة تمكنها من القيام بدور أساسى فى قيادة الشرق الأوسط.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »