شريف عطية

مصر وبريطانيا (وصنيعتيها).. قصة لم تنته بعد (1-2)

شارك الخبر مع أصدقائك

يمكن القول بادئ ذى بدء إن انشغال إنجلترا بمصر، لم تتصاعد أهميته إلا مع دخول الحملة الفرنسية إليها 1798، إذ تضمنت أهداف الحملة فيما تضمنت من الأهداف، وفى إطار التنافس الفرنسى – البريطانى، قطع طرق مواصلات إنجلترا إلى مستعمراتها فى شبه القارة الهندية، ما حفز الإنجليز على خوض غمار معارك بحرية «أبوقير» مع الأسطول الفرنسى انتهت بهزيمته، ما أفضى إلى جانب المقاومة المصرية للاحتلال الفرنسى. إلى أن يحمل الأخير عصاه ويرحل عن مصر 1801، حاولت بعدها بريطانيا احتلال مصر (حملة فريزر 1807) التى باءت بالفشل، خاصة مع التنسيق بين مصر «محمد على» وفرنسا، إلا أنها تمكنت من خلال إشرافها على صناديق الدين، وبطلب من الخديوى فى مواجهته للحركة العرابية، احتلال مصر 1881 – 1956، ولتهيمن من بعد إعلان الحماية البريطانية 1914 على معظم أصقاع المنطقة عقب انتصارها على الدولة العثمانية فى الحرب العالمية الأولى التى ما إن انتهت إلا وأصدت وعد بلفور لإقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين (كصنيعة وقاعدة ثابتة لها وللولايات المتحدة من بعد فى الشرق الأوسط)، ورغم أن البريطانيين لم يختزلوا مصر آنئذ.. إلى وضع المستعمرة، إلا أن الأخيرة لم تكن تملك منذ احتلالها وإلى ما بعد استقلالها الأول فبراير 1922، سوى قدر محدود من السيطرة على إدارة حكوماتها، وإلا من رؤية محدودة فى اتخاذ القرارات الخارجية.. بحيث لا تبعد عن خط المصالح البريطانية، الأمر الذى كان له تأثير ليس غير محدود على تطور مصر السياسى والحضارى فى القرن العشرين، حين كانت فى عهدة رجالات الأحزاب، المرتبطة بشكل أو آخر بالسفارة البريطانية فى القاهرة، وبمصالحها الاستراتيجية (حادث 4 فبراير 1942 – مثالا) إلا أن نفوذ بريطانيا تراجع عقب الحرب العالمية الثانية، التى وإن خرجت منها منتصرة، إلا وتجر أذيال الخيبة والفشل من مستعمراتها، إيذانا بحلول «الزمن الأمريكي» مع بداية النصف الثانى من القرن العشرين، لم يحل دون محاولة بريطانيا (بالاشتراك مع فرنسا وإسرائيل) احتلال مصر مجددا 1956، وإلى مساجلات خشنة فيما بعد ذلك مع مصر الراعية لثورات الجنوب اليمنى شرقى السويس ضد الوجود البريطانى الذى انتهى بانسحابه عنها فى العام 1968، ولتتراوح العلاقات البريطانية مع مصر خلال الستينيات بين الترهيب والترغيب، قبل أن تعيد مصر علاقاتها بعد ست سنوات من التصدى – مع الولايات المتحدة فى العام 1974، وفى إطار من «الشراكة الكاملة» بينهما، وفقا لتعبير الرئيس المصرى وقتئذ، ما أفضى إلى حالة من الاسترخاء فى العلاقات المصرية البريطانية، لم تحل بين بروز الضغائن المترسبة بينهما من وقت لآخر، أو عن محاولة بريطانيا التسلل لتطويع مصر بشكل أو آخر، كلما لاحت بوادر أزمة قائمة أو محتملة بين القاهرة وواشنطن، ليس آخرها ما واكب وتيرة التوابع الناتجة عن «الربيع العربى» 2011، الأمر الذى تسعى بريطانيا من خلاله إلى توظيف ما يمكن اعتباره انسحابًا أميركياً تدريجياً، لأسبابه، عن المنطقة، ذلك وفقا لتصريحات سابقة عن «جون ميجور» رئيس الحكومة البريطانية الذى خلف «مارجريت تاتشر»، قبل أن يعمل مستشارا للشئون الخارجية لرئيس حكومة المحافظين الأسبق «ماكرون»، إذ يرى أن من مصلحة بريطانيا أن تكون لها سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة بعد أن تغيرت أهدافها الدفاعية الاستراتيجية فى الشرق الأوسط، فى اتجاه آسيا – المحيط الهادى منذ نهاية 2010، إذ هكذا يتمثل دائماً السلوك البريطانى فى شأن السياسة الخارجية، وفى سبل تنفيذها، نموذجا برجماتيا يحتذى به، خاصة مع الأميركيين، ولئن لم يعجب العالم ماهيته دائما، إلا أنه مثار إعجاب من قبل آخرين، لما تسوده من حكمة وبراعة، بعيداً عن الانفعالات السياسية والاعتبارات المحلية «بريكست مثالا»، الأمر الذى جعل منها وهى مجرد جزيرة صغيرة، قوة عظمى على مدى عدة قرون، لكن هذه الشهرة فى طريقها للتآكل لما يعترى دورها من تدهور للسياسات التى سبق أن أقامت بها إمبراطوريتها، ووطدت قيادتها فى الميدان الدولى.

لذلك وفى إطار الفراغ الناشئ فى الشرق الأوسط، من فرط تنازع الأطراف الإقليمية فيما بينها من ناحية، وبسبب عجز القوى الكبرى المتوازنة فيما بينها على المستوى الدولى من ناحية عن حسم الانفراد بالنفوذ، واستبعاد الآخرين، فإن من الطبيعى عندئذٍ للإمبراطوريات القديمة (بريطانيا وفرنسا وألمانيا..) السعى، وفى مقدمتهم بريطانيا، لمحاولة ملء الفراغ فى هذا الإقليم المحورى، ومصر فى مركز دائرته، ما يؤهلها للعودة مجددا إلى مصاف الدول العظمى، مستهدفة مصر لمرة ليست أخيرة، من مطلع القرن 19 إلى ثمانينياته أو بالحرب عليها كما فى 1956، وإلى محاولة استخدام شتى السبل الأخرى (…) كمنظمات الإسلام السياسى – الحاضنة لها فى بلادها – والسابق لها رعاية إنشائها 1928، أثناء احتلال مصر، وذلك لترهيبها، أمنيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا، على النحو المشهود فى الآونة الأخيرة، ومن ثم إلى التغلغل فى سائر أصقاع المنطقة، لعل وعسى أن تستعيد المجد الغابر من خلال تطويعها (وصنيعتيها» الصهيو أميركية) العلاقات مع مصر، كقصة لم تنتهٍ بعد.

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »