شريف عطية

مصر وبريطانيا (وصنيعتيها).. قصة لم تنته بعد (2-2)

شارك الخبر مع أصدقائك

انتهينا من قبل إلى اتجاه بريطانيا فى العقد الأخير بصفة خاصة- بالترهيب والترغيب- نحو تطويع مصر، أمنياً وإعلامياً ودبلوماسياً، كمدخل للتغلغل عبرها إلى سائر أصقاع المنطقة، سواء بمساعدة من صنيعتيها «الصهيو- أميركية» أو بتوظيفها منظمات الإسلام السياسى التى تجد فى أراضيها الملجأ السياسى الآمن، وبهدف مجاملة استعادة مصر لنفوذها لمرة ليست أخيرة، منذ (حملة فريزر) بداية القرن التاسع عشر 1807، أو عند احتلال مصر من ثمانينيات ذات القرن 1881 – 1954، أو بالحرب عليها بالتنسيق مع إسرائيل وفرنسا 1956، وليس انتهاءً بمحاولات التسلل إليها على وقع الفوضى الناتجة عن وتيرة الربيع العربى منذ 2011، وما إلى ذلك من سياقات تعرب عن المعضلة الراهنة التى تعانيها بريطانيا نظراً لتدهورها خلال القرن العشرين من دولة عظمى إلى دولة ذات مرتبة ثانية، إلا أن توقعها للمرتبة الأولى وللعظمة والقوة لا يزال قائماً لم يتغير، رغم وضعها المتهافت وإمكاناتها ا لمحدودة من بعد الحرب العالمية الثانية (وهزيمتها السياسية فى حرب السويس)، وحيث فرضت حاجاتها المتفاقمة اتجاهاتها الخارجية فرضاً.. كى تتماشى مع الالتزامات التى تتفق مع طاقتها المتراجعة، إلا بالانصياع للولايات المتحدة، ما يشكل المعضلة التى ستظل تعانيها لأمد طويل فى المستقبل، ومن دون أن يتجرأ أى حزب من أحزابها على نقد هذه التبعية (الذليلة) نقداً أميناً صريحاً، إلا لماما، وقتما كانت الحليف الأول للرئيس الأميركى لخطة الحرب على العراق 2003، إلا أنها سرعان ما ارتدت إلى تموضعها السابق «كذيل جرو» للولايات المتحدة، وإلى أن تلبى مؤخراً رغبتها بالخروج من الاتحاد الأوروبى (بريكست) مقابل وعود من الرئيس الأميركى باتفاقات تجارية ضخمة بين البلدين، working on very substantial post Brexit trade deal…

فى هذا اليساق، يستقر المقام فى يوليو 2019 بـ«بوريس جونسون» فى مقر رئاسة الوزراء البريطانية، وهو الأقرب فى السياسة (الشعبوية) كما فى السلوكيات الشخصية إلى غرائبيات الرئيس الأميركى «ترامب» الذى يطلق على صديقه «جونسون»- ترامب بريطانيا- وكأن المطلوب من الحاكمين الأنجلو ساكسون على ضفتى الأطلنطى أن يرقصا على نغمة وحشية واحدة من التناقض والعنصرية، حتى ولو نشرت بعضها عن التقاليد المرعية فى السياسة الدولية، إذ من المعروف عن «جونسون» – على غرار «ترامب» – من خلال تصريحاته ومواقفه السياسية، من برلمانى إلى وزير ظل، وعمدة للعاصمة، ووزيراً.. قدرته العجائبية على التنقل من النقيض للنقيض، ومن موضع التأبيد إلى موقف الإدانة، ومن مكانة الحليف إلى موقع العدو، بحسب اتجاه الريح وتقلبات الأزمنة، ما يجعله اليوم صديق مقرب من «ترامب»، ويعد ببناء أقوى التفاهمات الاقتصادية مع الولايات المتحدة- بعد «بريكست» البريطانى.. الذى كان «جونسون» فى السابق من مؤيدى البقاء فى الاتحاد الأوروبى، ومع تثبيت العلاقات- بحسبه- مع «أصدقائنا على البر الأوروبى»، قبل أن ينقلب على عقبيه زعيماً لمعسكر «بريكست»، كما من المعروف عنه بحسب كتبه المنشورة من قبل أنه ذات «اتجاه استشراقى بغيض متلفح بالإسلاموفوبيا على إجمالى المسلمين، دون إشارة إلى التنظيمات الإسلامية التى تحتضنها بلاده، ولتطرح النصوص «الجونسونية» كما «الترامبية»- إن جاز التعبير- صورة سياسى ميكافيلى متقلب لديه نوازع عنصرية عميقة، ومواقف مسبقة عن الآخرين، ومع ذلك فهى قابلة للتغيير بسهولة وفقاً لتحولات السياسة المعاصرة، بل قد يكون ذلك تحديداً من وراء أسرار تصعيد «بوريس جونسون» على قمة السلطة فى بريطانيا هذه الأيام، ليشكل مع الرئيس الأميركى ثنائياً من الصعب التكهن بقراراتهما فى زمن تشتد فيه المنافسة على تشكيلة كل من النظام الدولى والإقليمى المرتقبين، وانعكاساته على مصر فى القلب منه، لأسبابها، ذلك فيما تحرص الولايات المتحدة على عدم التصعيد مع روسيا التى تروج بدورها لفكرة ما تسمى بـ«الاستثناء الروسي».. إذ ترتكز على الهوية الأوراسية (بين القارتين)، حيث يشجع الكرملين التيارات السياسية التعصبية (الشعبوية) فى أوروبا.. بما فيها بريطانيا التى ضعفت كثيراً عما سبق نظراً لانغماسها فى شأنها الداخلى وتحدياتها الأوروبية والاقتصادية، ذلك فيما تحرص روسيا من جانبها الآسيوى على التقارب مع الصين، رغم عدم التكافؤ بين اقتصاداتهما، إلا أن التباين بين نظاميهما وأهدافهما فى وسط آسيا، وغيره، لا يحل دون توحدهما فى مواجهة الغرب، ولأسباب إضافية ثأرية قديمة، فضلاً عن اختلاف القيم الأخلاقية والنماذج السياسية، ما يجعل من موسكو وبكين أكثر قرباً لمساندة دول الإقليم فى الشرق الأوسط (إيران مثالاً) فى مواجهة بريطانيا (والغرب) ما قد يمثل لمصر نطاق دفاعى مساعد عند التصدى للنوايا البريطانية الملتوية (ولصنيعتيها) مع مصر، كقصة لم تنته بعد.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »